24‏/04‏/2010

جودة التعليم وتعليم الجودة. د. رضا علي حسن

الصورة دائما مختلفة لدينا نحنُ المصريين، فعندما نريدُ الإصلاح نتكلم عن الجودة، وعندما نريد الجودة نسميها الرقيّ! وأصل الشيء أن نسميه باسمه، ويكون هذا الاسم معبِّرًا عن معنى، له مدلول نفهمه حتى نستطيع التعامل به ومعه. وكذلك تكون جودة التعليم عندنا في مصر، وهو مصطلح جديد شاع حديثًا في الأوساط التعليمية منذ عدة أعوام قليلة. فهل قصد مبتدع هذا المصطلح أن التعليم عندنا في خير وسلام، والهدف هو الارتفاع به قليلًا كي يكون جيدًا؟ أم قصد به أن الهدف هو جودة التعليم، أي أن التعليم لدينا لم يكن جيدًا من قبل، والهدف هو تطويره كي يكون جيدًا؟ أم أن - المبدع الملهم - لا يعرف معنى التسمية، ولا يعرف لها هدفًا محددًا، ولا يعرف معنى التعليم، ولا يعرف الهدف منه؟ وأغلب الظن أنه يجهل أيضًا أن التعليم لدينا ليس جيدًا، وأنه دائمًا يؤكد أن التعليم بصحة لا بأس بها. وإن كل المطلوب أن تكون الصورة حلوة براقة، تلفت الأنظار إلى حلاوتها من شدة لمعانها، فنصفق مبهورين بها، ونهدأ بالًا، ويكون كل شيء على ما يرام لأن الصورة تنطق بذلك من فرط حلاوتها. والصورة دائمًا مختلفة لدينا، نريدها براقة زاهية، نتجمل بها ونتغزل فيها ونعبدها، ونكرهها صورة معبِّرة، واصفة، كاشفة، أو صادمة.

          إن مصطلح "جودة التعليم" هو مصطلح غير دقيق، لا يعبِّر عن واقع التعليم المؤلم، ويعكس في طيّات كلماته عدم دراية بهذا الواقع، لأن الكلمات ببساطة لا تعبِّر عن مشكلة التعليم في مصر، ولا تعترف بها، بل تتهرّب منها وتواريها. ومشكلة التعليم في مصر واضحة للتلميذ قبل المعلّم، وللجاهل قبل الجهبذ. فكيف تكون غائبة عن واضع التعبير؟ وأغلب الظن أن المشكلة واضحة أمامه، ولكنه إما لا يعرف لها حلًّا، أو لا يدري بها أصلًا. فيكون الحل باختياره لكلمتين رنّانتين لهما إيقاع جميل على الأذن، وليس لهما مفهوم واضح محدّد، فيُخفي هذا التعبير مشاكل التعليم، ويبتعد عن تفاصيله المريرة، وتكون الصورة براقة، ويكتفي بالصورة البراقة حلًّا، ويبقى الحال كما هو عليه، أو يزداد سوءًا، فالصورة البراقة هي الهدف، وهي الحل لكل مشاكل التعليم. ويأتي بعد ذلك كله تفاخر بنجاح وهمي، وأحاديث عن قدرات وهمية لأصحابها، وتباهٍ بإمكانات ورقية ليس لها صلة بالواقع، وأموال طائلة يتم تبديدها في طلاء الصورة بألوان زاهية تحافظ على لمعانها متجددة كل يوم.

          مشاكل التعليم معروفة لدينا، ولن أطيل في وصفها. وتتلخّص هذه المشاكل أولًا في إدارة التعليم واختيار القائمين عليه، وتحديد أهدافه القومية التي تعود على الأمة بالنفع، فضلًا عن أهدافه الفردية التي تعود بالنفع على شخص المتعلّم. والهدف الثاني جزء لا ينفصل عن الهدف الأول، فرُقيّ الفرد ورفع مستواه التعليمي، وبالتالي مستواه الاقتصادي، هو السبيل لتحقيق الهدف القومي الأول، بل هو جزء من غايته. ثم تأتي بعد ذلك مشاكل ثانوية، مثل كثرة أعداد الطلاب، ومحدودية الأماكن والإمكانيات التي تستوعب هذه الكثرة. باختصار، كانت هذه هي مشكلات التعليم في مصر، وهي مشكلات غاب عنها الحل حتى تفاقمت وتعقّدت، فرسب التعليم وازداد فشله، ورسب معه القائمون عليه من مخطّطين، ومنفّذين، ومدرّسين، وطلاب. وكانت النهاية الصادمة هي رسوب المجتمع أيضًا، فساءت الأخلاق، وساد التسلّق والتملّق. وأصبحت كلمة "التعليم" فارغة المعنى والمدلول، وتحوّلت إلى صورة يحاول القائمون على أمرها تجميلها وتزويقها بمبانٍ تعليمية أنيقة، وأجهزة تكنولوجية ليست للاستخدام، وشجيرات وورود، ولوحات ورقية زاهية الألوان، وملايين الجنيهات تُصرف هباءً منثورًا من أجل  زيارات تُفتتح بها أبنية تعليمية جديدة، أو زيارات مفاجئة يراقبون بها العاملين في هذه الأبنية. والنهاية، لا شيء. صورة نزيّنها لنزيفها، وننفق عليها كثيرًا لنواري بها عجزنا عن الإصلاح الحقيقي للتعليم، بينما الواقع يدل على شيء آخر نعرفه جميعًا، وهو ازدياد الفشل في التعليم، وفي كل شيء آخر يتبعه في مؤسسات الدولة كافة.

          يتبيّن لنا من ذلك العرض المبسّط لمشكلات التعليم في مصر أن "الجودة" كلمة وهمية يُراد بها تجميل، أو قل تزييف، واقع فاسد ومفسد، وأن الكلمة التي ينبغي علينا استخدامها هي "إصلاح التعليم" أو "إحياؤه من جديد". وإصلاح التعليم ممكن، ولكن لا بد له من عدة شروط. أول هذه الشروط أن ينبذ القائمون على التعليم الصورة الزائفة لجودة التعليم التي رسموها لأنفسهم، وأن يتعلّموا هم من أهل العلم الحقيقيين كيف يكون الإصلاح، ثم كيف تتحقّق الجودة بعد الإصلاح. والشرط الثاني أن يتفهّموا أننا لسنا بحاجة إلى خطط إصلاحية مستوردة من الغرب، تتناسب مع ثقافة الغرب ومع مشكلات التعليم لديهم. نحن بحاجة إلى عقل مصري يخطّط، وخبرة مصرية تنفّذ، ولا بد أن يكون أهل العقل والخبرة من المثقفين والتربويين من منتجي الفكر والثقافة، وليس من التكنوقراطيين الذين يتعاملون مع المتعلّم بمفهوم المنتج النهائي، مثله مثل علبة طعام أو آلة كهربائية! ويخالف مفهوم المنتج النهائي طبيعة تربية الإنسان وتعليمه، فهدف التعليم هو تربية الفرد للرقيّ بخلقه، ثم علمه، من أجل حماية المجتمع وضمان استقراره، حتى لا يكون هناك متعلّم بلا خلق، أو فرد له خلق ينقصه العلم وتنقصه الخبرة، أو من ليس له علم ولا خلق. وهذه الأمثلة الثلاثة هي السائدة الحاكمة، نراها في كل موقع، وفوق كل كرسي في مؤسساتنا، وهي التي أدّت إلى الفساد، عن قصد أو عن غير قصد

          نظام "جودة التعليم" أو "ضمان الجودة (Quality Assurance) "من الغرب، ولم نفهمه في سياقه، كما لم نفهم أسبابه وأسباب تطبيقه عندهم. جاء هذا النظام ليقدم الحل لمشكلة كبيرة كانت تؤرق القائمين على التعليم، وهي عدم توحّد الأنظمة التعليمية في الجامعات والمدارس، فمنها الخاص، ومنها ما تدعمه حكومة الولاية، ومنها ما تدعمه الحكومة الفيدرالية. وأدى هذا التفاوت إلى اختلاف بعض الإمكانات التعليمية من مكان إلى آخر، وفقًا للطبيعة الجغرافية أو الطبيعة المتعلقة بالسياسات التعليمية المختلفة من ولاية إلى أخرى. فكان الحل هو تبنّي نظام ضمان الجودة، حتى تتساوى كل الإمكانات التعليمية في جميع الولايات الأمريكية، على اختلاف طرق تمويلها، وحتى تتساوى جميعها عند قياس جودة التعليم. ونرى دائمًا نتيجة هذا القياس على هيئة ترتيب الجامعات أو المدارس في قوائم معلنة كل عام، وهذا الترتيب يعكس دائمًا النشاط العلمي للمؤسسة من حيث الأبحاث والنشر ومدى المساهمة في رُقيّ العلم والمجتمع. ونفهم من هذا النظام أن جودة التعليم كانت قائمة، وكل ما هنالك هو ضمان توحيد أسبابها وعناصرها في جميع الولايات، بما فيها من نظم مختلفة، وذلك من أجل الوصول إلى نظام واحد يضمن استقرار الجودة واستمرارها والرقيّ بها، وفي النهاية قياسها بمعايير ثابتة عادلة معروفة لدى الجميع، وبالفعل حقق هذا النظام هدفه العادل.

         ونظام ضمان الجودة في الغرب له أسس تاريخية قديمة بدأت منذ بداية الثورة الصناعية، فكان الشاغل الأول منذ بداية الإنتاج الآلي هو توافر آليات ثابتة تضمن معايير محددة للمنتج الصناعي، ولن تتحدد هذه المعايير إلا وفق معايير محددة للإدارة، والمنشآت، وساعات العمل، وأداء العمال وانضباطهم. وتبلورت هذه المعايير مع بداية الحرب العالمية الأولى واستمرت حتى الحرب العالمية الثانية لضبط إنتاجية العمال وزيادة الإنتاج الصناعي. وكانت معظم هذه المعايير للتحكم في الجودة (Quality Control) من أجل سرعة وكفاءة الإنتاج. والتحكم في الجودة هو نظام يراقب ويختبر عيوب المنتج الصناعي ويحدد أوجه القصور فيه، فضلًا عن تحديد المسؤول أو المتسبب في هذه العيوب. أما نظام ضمان الجودة، فهو نظام يحاول ضمان الجودة عن طريق تحسين الإنتاج ورفع كفاءته واستقراره عند حدٍّ مرضٍ، وتصب وآلياته في تجنّب أو تقليل العوامل التي تعوق الإنتاج. وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية ودُمّرت العديد من البلاد، ومنها اليابان، قام الجنرال (دوجلاس مكارثر) قائد القوات الأمريكية المحتلة لليابان بتكليف خبيرين أمريكيين بتطوير نظام حديث للجودة لتطبيقه في إعادة بناء اليابان، ونجح هذا النظام بالفعل في بناء اليابان الحديثة. وتطوّر هذا النظام ليشمل عشرة أنشطة صناعية وتجارية وتنفيذية، مثل أنشطة التصميم، والخدمات الإدارية والبنكية، وآخرها التعليم. ويُستفاد من هذه النبذة التاريخية أن أنظمة التحكم في الجودة وضمان الجودة هي أنظمة جاءت لتقدّم حلولًا لمشاكل معيّنة في بلدان لها طبيعتها الخاصة وتركيبتها المختلفة. فقاموا ببناء أنظمة تساعدهم على حل مشكلاتهم بما يتفق مع ثقافتهم وإمكاناتهم وأهدافهم الوطنية أو الاستعمارية.

          هذا النظام هو نظام رائع، يتفق مع التعليم في الغرب، حيث تتوفر الجودة بعناصرها وأسبابها لدى الجامعات والمدارس. وجاء هذا النظام ليضمن استقرار التعليم الجيد في الأصل، وذلك عن طريق توحيد شروط قياسية عامة عادلة تنطبق على كل الدور التعليمية. نحن الآن نتبنى نظامًا أمريكيًّا وضعه الأمريكيون لحل مشكلة تعليمية لديهم. هذا النظام افترض جودة التعليم أساسًا له، وكان هدفه توحيد معايير ثابتة تضمن استقرار التعليم ورُقيّه في أمريكا. ونحن الآن نريد تطبيق معايير الجودة الأمريكية على التعليم المصري، ومثلنا في ذلك كمثل من يرتدي بذلة غالية الثمن، غاية في الأناقة، يذهب بها مزهوًّا ليحرث أرضًا بورًا في صحراء. ليس المهم هو زرع الصحراء، ولكن الأهم أن تلتقط الكاميرات صورًا ملوّنة لصاحبنا الأنيق هذا وهو في طريقه للذهاب، وهو يغرس نبتة واحدة من أجل صورة تُنشر في الصحيفة، ولا يصوّر لنا المصوّر كيف ماتت النبتة من أشعة الشمس الحارقة قبل أن يصل صاحبنا الأنيق بسيارته المكيّفة إلى مكتبه في الوادي، ينفض عن نفسه وسخ الصحراء.

          نحن لدينا مشكلات تتطلّب إصلاحًا جذريًّا، تبدأ بعدم وجود مقعد أو مكتب يجلس عليه المدرّس في المدرسة أو الأستاذ في الجامعة، ومكتبة بها كتب يقرأ فيها المدرّس قبل الطالب، وفصلٍ جيّد التهوية يتّسع لمائة طالب أحيانًا، وصنبور ماء نقيّ في المدرسة والجامعة، ومرتبٍ يفي باحتياجات المدرّس أو الأستاذ الجامعي وأبنائه من الطلاب، كي يعيش عيشةً كريمةً بعيدةً عن مهانة الذلّ، وأخيرًا مناخٍ حرٍّ عادلٍ يسمح بإبداء الرأي أو التعبير. فكلّ من يُبدي رأيًا، أو يصف قصورًا، أو يشكو قسوةً، فهو كاذبٌ أو متآمرٌ أو مجنون.

          نحن نفتقر إلى الهدف التعليمي القومي الذي يضمن لنا أمن المجتمع والفرد. فكل أهدافنا الآن ليست تعليمية، وتتلخّص في كيفية ملء مدرّجات الجامعات والمدارس الخاصة بالطلاب، ليزداد دخلها ويزداد دخل أصحابها، وفي كيفية خصخصة التعليم في الجامعات الحكومية أو غلقها، لكي يذهب الأساتذة قبل الطلاب إلى الجامعات الخاصة، لزيادة أعداد الطلاب بها وحلّ مشكلة قلّة أعضاء هيئة التدريس في هذه الجامعات. والأولى أن يطبّق القائمون على التعليم مبادئ الجودة على الجامعات الخاصة، فتكون شروط القبول في الجامعة الخاصة هي ذاتها الشروط التي يلتحق بها الطلاب في الجامعة الحكومية. هذه الشروط العادلة هي أساس معايير الجودة، وهي متحقّقة في أمريكا، مهد الجودة ومهبط وحيها.

          هل نستطيع تقييم حجم الخطر على المجتمع عندما لا يستطيع طالبٌ الالتحاقَ بكلية من كليات القمة، مثل كلية الطب، من أجل فارق نصف درجة عن المجموع المطلوب، وفي الوقت نفسه يذهب الطالب الغبي، ابن أبيه الثري، إلى كلية الطب في الجامعة الخاصة بمجموعٍ يقلّ عن مجموع الطالب المتفوّق، ابن أبيه الفقير، بنسبة عشرين في المائة أو أكثر؟ ثم يتخرّج الطالب المتفوّق محطّمًا من كلية أخرى لم يكن يرغب بها، ويتخرّج الطالب الغبي جاهلًا، ولكنه مزهوٌّ بنفسه وبأموال أبيه، من كلية لم تؤهّله قدراته العقلية لها، ليخرّب في الوطن بجهله وحماقته. هذه أمثلة متكرّرة لأبناء الوطن أفسدها نظامٌ تعليميٌّ فارقٌ فاسدٌ، بعيدٌ كلّ البعد عن التربية والتعليم؛ طالبٌ نابهٌ قتل التعليمُ نباهته، وطالبٌ آخر زاد التعليمُ من جهله وغروره، بدلًا من أن يقومه ويثقّفه. ولا نستطيع التنبّؤ بما يمكن أن يحدث في مجتمعٍ غير متّزن، يكون فيه نظام التعليم الفاسد أساسًا لعدم اتزانه.

          إن جودة التعليم، أو النظام المتّبع في تطوير التعليم في مصر – إن سمّيناه نظامًا – هو أداة لهزّ الثقة في المؤسسات التعليمية، في المدرّسين وفي أساتذة الجامعات، وفي قدرة التعليم الحكومي على إصلاح عيوبه، حتى يستقرّ لدى الرأي العام أن هذه المؤسسات هي مؤسسات فاشلة، فيتمّ خصخصتها. وهي نفس الخطة التي تتكرّر كلّ يوم عند بيع مصنع أو شركة منتجة. فتكون الصورة هي الجودة، والهدف هو الخصخصة والتجارة بالعلم والعلماء.

          إصلاح التعليم هو الهدف الأول إن خلصت النوايا، والسبيل إلى ذلك معروف ومضمون – ولن أكون مبالغًا إذا قلت إن إصلاح التعليم ممكن، بل سهل. يمكن أن يتحقّق الإصلاح في غضون سنوات قليلة، بمالٍ مصريٍّ قليل، وبخبرةٍ مصريةٍ خالصة، فلدينا المفكّرون والمثقّفون والخبراء الصادقون الواثقون، وهم على علمٍ تامٍّ بما ينبغي أن يفعلوه ليحقّقوا الإصلاح، ثم الجودة وضماناتها. وهم على وعيٍ تامٍّ بدور التربية في استعادة القيم، ودور العدالة أساسًا للتربية، تربية الطالب والمجتمع. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن هؤلاء مفكّرون مثقّفون وخبراء مخلصون، يحبّون العلم والعمل، ويجيدون التخطيط العلمي والتنفيذي، ويكرهون عدسات التصوير، وضجيج التصفيق والتهليل. من يأتي بهم ومتى؟! سؤال له إجابة: إنهم قادمون لا محالة.

18‏/04‏/2009

قصة مُفبركة د. رضا على حسن

 يحكى أن طبيبا ثريا ملأت شهرته الآفاق، كان طفله يعاني من مرض فتاك، وكان هذا الطبيب متخصصا فى علاج هذا المرض، ولكن كلما تراوده فكرة علاج ابنه، يحجم عن علاجه رغم إلحاح أفراد أسرته كثيرا، كي يكتب لأبنه الدواء عسى أن يكون فيه الشفاء. وفى نفس الوقت يمنع الطبيب زوجته من أن تعرض ابنه على طبيب آخر مخافة أن يقول الناس قد عجز الأب المشهور عن علاج ابنه، بينما نجح طبيب آخر فى علاجه.  وقد حار الأهل والأصدقاء فى أمر هذا الطبيب، فهو يتألم غاية الألم لمرض ولده، وفى نفس الوقت لايقدم على وصف الدواء له، ولا يريد له علاجا عند طبيب آخر. وأصبح هذا الأمر حديث الناس، وصاحبنا على حاله مصرا على موقفه الغريب. ومن شدة معاناة الطبيب النفسية، باح بالسر إلى أقرب أصدقاءه عندما فاتحه هذا الصديق فى موضوع العلاج، وعرض عليه أن يقوم هو بعرضه على أطباء آخرين رحمة بالطفل، طالما أن أباه، الطبيب المشهور، عاجز عن علاجه. فكشف الأب لصاحبه عن نفسه، فهو لايثق فى نفسه كطبيب يستطيع أن يقدم العلاج لابنه، ويخاف كل الخوف أن يفشل فى وصف الدواء فيموت ابنه، ويعيش باقى عمره يتجرع مرارة الفشل والندم. قال له صاحبه كيف هذا وأنت طبيب مشهور وأنت صاحب مستشفى من أكبر المستشفيات فى البلاد. فاندهش الصديق عندما استمع الى إجابة الطبيب، قال الطبيب لقد ورثت هذه المستشفى عن أبى، الطبيب أستاذ الجامعة، كما ورثت عنه منصبى كأستاذ جامعى أيضا، وشهرة المستشفى لا ترجع لكفائتى كطبيب، بل يرجع الفضل لمن يعمل معى من أطباء وجيش من الإعلاميين الذين يروجون للمستشفى ويجملون صورتها. ولكنني لست كفئا لعلاج ولدى، فلقد بدل أبى درجاتى الراسبة عندما كنت طالبا عنده فى كلية الطب بدرجات عالية كى يتم تعينى فى درجة معيد وأرث منه المنصب والمستشفى والشهره وكل شيئ، وعاونه على ذلك زملائه المنافقون، فأنت تعلم منصب أبى فى تلك الجامعة. وعُينت معيدا بالفعل، بعد أن رفعتنى درجاتى فوق من يستحقونها من الطلاب المتفوقين المظلومين، فأخذت مكانا ليس لي، وورثت مهنه لا أستحقها ولا أجيدها. وجاء امتحان ربي لي فى تخصصى وفى فلذة كبدى، فلا استطعت أن أُقدم له الدواء، ولا استطعت أن أعرضه على طبيب آخر، خشية أن يفتضح أمرى وأنا الطبيب المشهور ملء السمع والبصر. ولقد أعطانى أبى ما لا أستحق بجرة قلم أسود رفع بها درجاتى فرفعتنى إلى أعلى الدرجات، وها أنا أرى حساب الله لأبى في نفسي وفي حفيده!  انتهت القصة شديدة الشبه بأفلام تصنعها الهند!

          وبدأت قصص شعبية أخرى يرويها كل الناس لمواساة طالب متفوق حرم من مكانة تُناسب درجة تفوقه، فاحتلها آخرون كل مؤهلاتهم أنهم أبناء آبائهم، أو موظف فى مصلحة ما، يستحق منصبا متميزا نظرا لكفائته ونزاهته، فذهب المنصب إلى من لا يستحق من أبناء الأقارب أو أبناء المال، أو مسكين يتقدم لوظيفة يستحقها ويحتاجها لكي يعول بها نفسه وأهله، فتذهب لأولى القربى وأصحاب النفوذ. وهكذا كانت تروى القصة لمواساة هؤلاء المظلومين، كي يرضوا بحالهم، ويقنعوا بما قسمه الله لهم. والقناعة دائما هى الحل، وبعدها يأتى الحمد على دوام الحال والصحة. ويتناسى المظلوم ظلمه وظالمه، ويعود له توازنه النفسي وراحة البال، بعد شعور مرير بالظلم، ووأد بغيض لهِمَّةٍ وطموح. وينسى هؤلاء المظلومون أن القصة الشعبية مفبركة - بل تبدو أسطورية-  لجلب الراحة النفسية ليس إلا، ففيها موقف مأساوى مـتأزم، وفيها اعتراف بالخطأ، وندم على فعل قبيح، وعقاب إلهي في دنيا تميزت بأنها خلت من كل عقاب لمن له ظهر يحميه. وينسى الناس أيضا أنا الواقع يخالف ماجاء فى القصة، حتى لو كانت صحيحة، فهناك نقود تذهب بحاملها إلى أي مكان للعلاج، وتعود به بإذن الله شافيا معافى!

          هكذا هو الحال دائما مع "الواسطة"، داء أسطوري أصاب المجتمع المصري منذ عهد فرعون، تكون ضحاياه من غير الأقارب، أو من ليس لهم مال. ويكون العلاج دائما دواء يصنعه المظلوم بنفسه، ويتجرعه وهو يعلم أنه علاج غير مفيد، لن يعيد له ما ذهب، ولن يقويه كي يجلب له حق قد ضاع. فدواء البائس هو وهم الشفاء، ثم قناعة، وحمد، وسكينة. كان المصري القديم لايحتمل بطش كهنة فرعون، وكان ينتج القصص المفبركة لكى يقنع بها، لتكون مبررا لبقائه مرفوع الرأس، ففى قناعته رضاء الآلهة التى قدرت الأقدار. وحقيقة الأمر هو الخوف من الكهنة وأصحاب النفوذ، وليس الرضا بالقضاء والقدر والقناعة بالقليل. وذهب عصر الفراعين، وجاء عصر الملوك من الرومان، والملوك من العرب، والملوك من العثمانيون ومن المماليك، والضباط، وظلت الحَظْوَة لأُولي القربى، وأُولي المال، وراجت القصص والملاحم الشعبية لبطولات وهمية، كانت عدالة السماء هى القاسم المشترك فى كل منها. ولم تفلح هذه القصص الشعبية في استئصال داء الوساطة، ولم تقترح حلولا عملية ترد بها الحقوق الى أهلها. ولم يتغير الحال عبر العصور بل زادت الوساطة وتأصلت جذورها، وأصبحت الآن شيئا مقبولا لدى العامة. وفى قبول العامة تكونت مبادئ المجتمع الجديدة "الوساطة والمحسوبية وشراء المناصب والذمم بالمال والنساء". وتلاشت القصص الشعبية التى كانت تمثل حدا أدنى من المقاومة السلبية للوساطة والمحسوبية، والتى كان فى شيوعها إعلانا مقنعا عن الرفض لتلك المبادئ الفاسدة. بل تفاقم الوضع إلى الفخر بالوساطة، والتفاخر بقدرة المال والنفوذ على شراء الذمم. وسأم الناس قصص الرفض المقنعة لعدم جدواها، وأصبحوا يسخرون منها، وينعتونها بالهندية، نسبة للأفلام الهندية التى مازالت تتمسك بإظهار عدالة السماء فى دنيا الأرض، رغم قصور منطق هذه القصص بمدلولاتها الأسطورية.

          واستقر الحال على قبول المبادئ الفاسدة، والعمل بها كآليات مجتمعية بديلة عن النظالم الحقوقي الصحيح. وقد قبلها العاملون بها وأصبحت نوطا للشرف والأبهة الإجتماعية حتى أعتلت عبارة  "انت مش عارف انت بتكلم مين" عرش الوجاهة الاجتماعية.  وتقبلها المتظلمون منها أمرا واقعا، بل أخذ المظلوم يبحث له عن وساطة ترفعه إلى ما كان يرفعه له جهده وعمله، قبولا منه لذات المبادئ التى حرمته من حق كان له! وغَدَا يردد هو الآخر عبارة الوجهاء، لعله يفلح أن يكون واحدًا، منهم ولو لم تكن له وجاهة من واسطة أو مال، يجربها ربما يأخذ بها حقه المسلوب. وضاعت وجاهة المجتمع الحقيقية، عندما ردد كل منهم تلك العبارة، ورد كل واحد منهم على الآخر بعبارة مضادة  "تطلع مين انت يابن الـ...." وسقط الجميع في بئر الوجاهة الزائفة، ظالمُ ومظلومُ!

          الأمر أبعد من ذلك بكثير، فإرساء المبادئ الفاسدة الجديدة قيمًا اجتماعية للترقى والوصول إلى درجات عالية هوى بالوطن إلى قاع بئر عميقة، كلما حاول أحد الخروج منها انزلقت قدماه بفعل طحالب الوساطة الآسنة على جدران البئر. وحدها الطحالب هى القادرة على تجاوز القاع إلى فوهة البئر لتستنشق الهواء المنعش، ولكنه هواء لايفيدها ولايقويها لأنها لازالت طحالب ضعيفة بحكم تكوينها، فمهما علا شأنها لن تغير من طبيعتها الطحلبية، كل ماتستطيعه هو التكاثر كى تحمى نفسها بكثرتها، وتسد منافذ الهواء عن غيرها. وكذلك انتشرت الوساطة وتفشت، فى دواوين الدولة وهيئاتها المختلفة، حتى تعاقبت الأجيال الطحلبية ضعيفة التكوين على رأس كل قائمة وقاعدة. وهربت الخبرات والعقول الحقيقة إلى الخارج، أو انغلقت على نفسها فى الداخل تتجرع مرارة فشل قهرى فرضته ظروف قهرية مقيتة.

          وفى هذا الصدد، لاتزالُ قصةٌ حقيقةُ لبائع كُتب قديمة فى وسط المدينة تراودنى كل حين، لتذكرنى بطعم مرارة الفشل القهرى. كنت سَائرًا في طريقي، فجذبني منظر الكتب القديمة المصفوفة بعناية على الرصيف، ولم أستطع مقاومة عادة شراء الكتب القديمة، فهى عادة قديمة لي تريح النفس، لأنها تُذَكِرُني ببعض ماض جميل. وجمعت بعضها، وطلبت من البائع شرائها، فكان رده لي مدهشا: خذها يا سيدي بلا ثمن، فليس لها ثمن عندى، وكان شكله جادًا، كأنه يعنى ما يقول. وأَتبع قائلًا، مُفصحًا عن سببٍ زاد دهشتى: انظر ياسيدى إلى هذا الشاب الذى تملأ صوره العملاقة كل مكان فى الشارع، إنه مطرب مشهور فشل فى دراسته، يطرب الناس بجسده لا بصوته، وهو مُتهرب من أداء الخدمة العسكرية، وها هي صوره تملأ الطريق! وأنا خريج كلية عريقة والأول على دفعتى، بل الأول على كل كليات الجامعة، بحكم درجاتى فى ذلك العام، أجلس على قارعة الطريق، أبيع كتب والدي القديمة التى قرأها لي وأنا صغير، فصرت الأول على جامعتي، وأول من يجلس على قارعة هذا الطريق! هكذا قال فى مرارة، ثم أضاف: لم أعين معيدا فى جامعتى رغم أمس احتياجهم لتلك الوظيفة، إنهم كانوا يدخرونها لابن واحد منهم، لم يتخرج بعد، وهو الآن عميد مشهور بالجامعة رغم ما عرفناه من تدنى مستواه العلمي وقصور فهمه وإدراكه. فوجدت نفسي ألجأأ إلى الحيل الأسطورية القديمة، وأواسيه بقصة لا أؤمن بها، ولا مفر من اللجوء إليها كي أخفف عنه ألمه وألمى. وكان مُصرًا على إهدائي ما اخترته من كتب، ربما لأنه تلمس فى قسمات وجهي تعاطفا واهتماما بحالته، فباح لى بما يؤلمه. وزاد أصراره من أصراري على دفع ثمن ما أخذت، وجدتنى أقول له، هذه الكتب القديمة فعلا بلا ثمن يقدر، وثمنها رمزى عندي وعندك، لعلك بهذا الثمن الرمزي تتذكرني وأتذكرك في عالم سماوي آخر عادل، يكون فيه الشاب المتهرب وراء القضبان، تشمئذ منه الجرذان، ويجلس فيه العميد في حلقة درسك، كي يتعلم من جديد. فضحك وضحكت، وانصرفت إلى شأني مهموما بما سمعت، وتركته لشأنه يتنسم من المارة ما يبدد عنه وحدته فى عالم قاس ظالم.

          هى قصة حقيقة إذا، هوت بمن يستحق الى بئر اليأس، ورفعت من لا يستحق إلى فوهة البئر. وهكذا يكون الحال مع كل متفوق يستحق ثمرة جهد بذله، ويالها من ثمرة مرة، وياله من جهد ضائع!

          قصة مفبركة تقابلها أخرى حقيقية، طبيب رفعته القرابة لما لا يستحق، يعجز عن وصف العلاج، وبائع أخطأته الأيام، يعرض كتبه بلا ثمن لمن يفهمها. واحدٌ أخذ كل شيءٍ، ولا يعطى، وآخر ضاع منه كل شيء ويهب! هكذا هي إرادة الله، عجزُ لمن أخذ بغير حق، وحريةُ لمن ضاع منه كل الحق. توازن عادل دقيق، في باطنه الرحمة والعدل، وفى ظاهرة الظلم والطغيان. وكذلك يكون الحال مع أستاذ وصل بنسبه أو ماله إلى ما لايستحق، فهو يخشى فى قرارة نفسه مواجهة طلابه من المتفوقين، وهو يؤكد على أخطاءه ولا يصححها كلما وقع فيها، حماية لماء وجهه، وخشية افتضاح أمره، كما فعل الطبيب المزيف، أو مزيف آخر مسؤول في إحدى هيئات الدولة، يحمى قراراته الخاطئة بأخرى خاطئة ويتعصب لرأيه الخاطئ، وهو مصر على خطئه، كي يبدو على حق. وهكذا يتمادى الجميع فى الخطأ، فى أصرار يفضح نفسه حتى ضاعت الحرفه والخبرة، وتخبطت الخطة، وانحط الهدف، فضاعت الهيبة، وزادت الخيبة. والقصة فى الأصل مفبركة، وكل قصة مفبركة يقابلها أخرى حقيقية، في توازن إلهي عادل دقيق، وإن كان يوم الحساب لبعيد.

نشرت في دنيا الوطن في 2009-04-18     

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2009/04/18/162664.html   

x

12‏/10‏/2008

هل العلمانية هي الحل؟ د. رضا علي حسن

 تطل علينا هذه الأيام صور إعلامية ملحة تسدعى من الذاكرة قضايا ومفاهيم مربكة، شغلت العقل الإسلامي والعربي كثيرا، ولاتزال ترهقه، حتى تمزق وترهل. تمثلت هذه الصور فى مجموعة من الأحداث المرئية، مثل صور الأعلام التركية الحمراء التى رفرفت وتكدست فى أهم ميادين  تركيا، حيث طالب رافعوها باحترام العلمانية بوصفها مبدأ للدولة التركية الحديثة، والمطالبة بعدم ترشيح "غل" نفسه رئيسا للدولة، لكونه مسلما، وصور المطالبات بارتداء الحجاب فى فرنسا تحقيقا لمبدأ الحرية، وإهانة وزير الثقافة المصري للمحجبات،  والهجمات المتتالية على الرسول، وسبل الرد المختلفة من قبل المسلمين، والقبض على بعض رموز الأخوان المسلمين فى مصر، ويسبقها مطالبة بعض أعضاء البرلمان المصري بعدم تبنى شعارات دينية انتخابية سبيلا بالفوز بقلب الناخب المسلم قبل عقله، وأخيرا مصافحة شيخ الأزهر لبيريز وتبريره لذلك بعدة طرق ملتوية خلط فيها السياسي بالدينى. تستدعى هذه الصور المتتابعة - أو يمكن اختزالها – فى ثنائيتين متجاذبتين: العلمانية والدين، وما تحويه هذه الثنائية من مفاهيم مربكة وخلط فكري فرضته التبعية الحضارية للغرب، أو اقتضته إشكاليات الحداثة في الشرق بديلا من الدين، ودينا للتقدم.

          وما يعيب ثنائية العلمانية والدين، هو استغلال المبادئ العلمانية، لفرض أيدلوجية علمانية طاغية، تلغى الآخر، وتهمش دوره، وتشكك في نواياه الوطنية. ومَكْمَن العيب هو تبنى العلمانيون لمفاهيم علمانية طاغية، بحجة حماية العلمانية، وهى ذاتُها نفس المفاهيم الدينية الطاغية التي طالما حاربها العلمانيون، وهدموا من أجلها  حضارات وثقافات. وبدا المشهد للمتابع المدقق واضحا، ومفاده هو العلمانية هي الحل بديلا عن شعار الإسلام هو الحل. فجاءت العلمانية بديلا عن الدين، وطالب أتباعها بفرض مبادئهم، متناسين أن هذه المبادئ العلمانية ذاتها جاءت كردة فعل لكف محتكري الدين عن فرض آرائهم! كما تناسى العلمانيون أن مبادئهم تلك تكفل لهم حق تجربتها فى السياسة والحياة، وحق من له أى مبادئ مغايرة فى التجربة أيضا، طالما أن لهذه المبادئ الحرة ضوابط ذاتية تحميها، مثل ضوابط المحاسبة والمسائلة. فكل له حق التجربة، فإن أصاب أفلح، وإن أخطأ فشل وحوسب.

          لا أريد الدفاع عن الإسلاميين حين أطالب بحقهم فى التجربة، كما أننى لا أريد الدفاع عن العلمانية عندما أصف مبادئها بالحرة. ولكنى أعرض فقط لوجه الشبه بينهما على مستوى ممارسة المبادئ، وليس على مستوى المبادئ نفسها. والفارق بين المستويين عظيم، فالمبادئ يطبقها أشخاص يخطؤن ويصيبون، فإن صحت وسائل الممارسة عاشت المبادئ، وأصبحت قيما تحتذى، وإن أخطأت ماتت المبادئ وتلاشت القيم. وليس من حقنا بعد ذلك أن نشكك فى المبادئ ذاتها ونرفضها، بل ينبغي علينا رفض وسائل الممارسة غير السليمة وممارسيها. هذا على افتراض أن المبادئ سليمة، تحمل ضوابط ذاتية للتطبيق والمحاسبة والمسائلة.

          فإذا وجبت مقارنة الممارسات العلمانية بالإسلامية فى واقعنا الراهن، قد يتبين لنا أن الممارستين متشابهتان عندما تحتكر كل ممارسة لنفسها الحق وتنفيه عن الأخرى، ويظن الفريق العلماني أنه لا سبيل للتقدم إلا العلمانية وإقصاء الدين، ويتخيل الفريق الإسلامي أنه لاخلاص من مساوئ الحداثة والنفعية إلا بالعودة الى حكم الدين – بأي صورة له ومن بينها الخلافة – ونبذ العلمانية. وأوجه الشبه بينهما هنا هى إرادة الاحتكار، وشطب الآخر، والتشكيك فى نواياه الوطنية. وهذا التباعد أو التباغض يؤدي إلى فشل الممارسات العلمانية والإسلامية على أرض الواقع. وأقصد بأرض الواقع، المجتمع الممارس لهذه المبادئ، من حيث رفضه أو قبوله لها، أو من حيث تأثير هذه المبادئ فيه سلبا وإيجابا إذا فشلت أو نجحت.

          ولهذه المقارنة القائمة على الممارسة الفعلية للعلمانية والإسلام، أسس تاريخية يتوجها الفشل فى كلتا الحالتين. نشأت العلمانية كرد فعل طبيعي معاكس لتحكم الكنيسة أو المؤسسة الدينية في الغرب، وكَره الغرب الحكم باسم الدين وطغيان الكنيسة على العقل والعلم، فتولدت المبادئ العلمانية لإعلاء العقل، وإعمال وسائله، لتحرير الإنسان من سطوة ممارسات الدين الخاطئة، التى سلبت إنسان العصور الوسطى فى أوربا حقه فى الحياة الكريمة الحرة. وللمفارقة الغريبة، كان الفضل في رغبة الأحرار فى أوربا فى تغيير الواقع الديني المتسلط هناك راجعا إلى اطلاعهم على التجربة الدينية الإسلامية، وهى في أوج ازدهارها، عندما أطلقت سلطة العقل فتقدم المسلمون، وأصبحوا مثالا يحتذى فى الغرب! وجربَ الأوروبيون مبادئ العلمانية -  المُستقاه من التجربة الدينية الإسلامية المزدهرة -  وسيلة للحكم، واستُبعدَ الدين عن السياسة، وتقلصت سلطته عليها. ونهضت أوربا عندما نفض أهلها عبء المؤسسة الدينية عن كاهلهم، وتفوقت علميا وماديا. وتنامى مع التفوق الحضارى صراعٌ على المادة، لا يحكمه دين ولا قيم إنسانية سوية، وتفشت العنصرية والطبقية، وتجلت فى احتلال أوربا للعالم وسلب مقدراته بلا رحمة أو شفقة، وركعت المؤسسة الدينية للعلمانية، بل بشرت لها فى العالم المحتل، ورفعت الكنيسة الراكعة للعلمانية شعارات "علما- دينية" جديدة ظاهرها الدين وباطنها المادية العنصرية. وبشرت المسيحية للعلمانية فى المستعمرات، فكان الحرمان والتنكيل والقتل لمن يعارض، وشيئ من رحمة، ولقمة عيش، لمن تمسح وخضع. وكان ركوع المؤسسة الدينية للعلمانية إضعافا لها وعارا عليها وخضوعا منها للعلمانية، إله العالم الجديد. وقبلت العلمانية بخضوع الكنيسة لها، كي تكرس لها استيلائها على العالم، وتبرر بها دورها تحت مظلة الرحمة والهداية والتبشير فى الأراضى المحتلة، شريطة إطلاق يد العلمانية فى الداخل، وغض الطرف عن مساوئها وشرورها فى الخارج والداخل. وحدث فى الغرب والعالم ما نراه الآن من طغيان المادة، واللهثِ وراء ترف الرفاهية، وتبرير الشرور والرذائل، وتغليفها بألوان الحرية والتحرر. ونجحت العلمانية الغربية ماديا، وسقطت روحيا، وهي تسجل الآن سطور موتها إنسانيا، بعد الحروب على الإنسانية فى العراق وأفغانستان بدعوى ظاهرها كره الإرهاب والتعصب الديني، وباطنها النهم المادي.

          ولكى يكتمل الشق الثانى من المقارنة، ينبغي استعراض فشل الممارسة الإسلامية فى الحكم والحياة عبر العصور الإسلامية المختلفة، باستثناء نموذجي  عصر الرسالة والخلافة الراشدة. ففي عصر الرسالة، اقتضت طبيعة الدعوة إلى دين جديد مخالف للمارسات الاجتماعية والاقتصادية والعقائدية فى الجزيرة العربية أن تنشأ نواة الدولة المنظمة فى الإسلام، رغبةً فى نشر الرسالة الإلهية، وحفظًا لاستمرار الدعوة للدين الجديد، دون احتكار للرأي، أو فرض الإسلام على الكفار أو اليهود والنصارى، حتى بعد أن توطدت أقدام الإسلام فى ربوع الجزيرة العربية. وقامت دعوة الرسول، وبالتالى ممارسة الحكم فى المدينة على أسس رحيمة وعقلانية ركائزها:  "لكم دينكم ولى دين" ، "لست عليهم بمسيطر" ، "إنك لن تهدي من أحببت"، "وإنا إلينا إيابهم ثم علينا حسابهم". وهذه الأسس أحسبها مُرضِية للعلماني الحديث بما فيها من إرساء لقيم الحرية ونبذ السلطوية الدينية، وهي ذات القيم التي أرست عليها العلمانية مبادئها وحاربت من أجلها ليتحرر الإنسان من وطأة الممارسة الكنسية الخاطئة فى أوربا العصور الوسطى.

 وسار على نفس هذه المبادئ الخلفاء الراشدون. وأخذت فكرة الدولة فى التبلور والنمو كلما توسعت الدعوة، ونما النظام فيها كلما زادت رقعتها وتنوعت جنسيات تابعيها. وذهبت الخلافة القائمة على العقل والعدل والتقوى، وجائت خلافة قائمة على الحسب والنسب، ومن ثم الاستبداد بالحكم. وبدأت الممارسات الخاطئة للحكم، وبدأ تبرير وجود الحاكم واستمرار نسله فى الحكم تبريرًا دينيًا، حتى تكرست الخلافة المالكة، وغلبت الأطماع المادية واستندت إلى الدين، لضمان المُلك، وبقائه، وتبرير شرعيته. وأريقت الدماء من أجل استمرار حكم الأسر تحت غطاء دينى، وكان ازدهار المُلك الأموي والعباسي ازدهارا سريعًا، مَرده إلى قوة الدفع الكبيرة للإسلام الأول فى العصر الراشد، كما كان سقوطهما مروعا ودمويا. فقَتل أمراء بني العباس أمراء بني أمية تحت شعار "نحن أقرب وأولى بخلافة بن عمنا منكم"، وهو شعار أساسه نسب عائلي نبذته الخلافة الراشدة، وهو ليس شعارًا دينيًا. وقبل ذلك كان ما كان من الأمويين عندما قضوا على علي وولده، وعندما حُصر الإسلام ما بين فكي الخلافة للأرشد أم للأقوى تحت شعارات دينية لضمان الحكم وتبرير البقاء فيه.

وتوالت خلافات باهتة على أمة إسلامية مهزومة بعد الاجتياح المغولي للعباسيين. وسقط الأمويون والعرب فى الأندلس، كما سقط مُلك بني العباس فى الشرق لأسباب بدت دينية، وإن كان باطنها مادي. وضعفت المؤسسة الدينية الإسلامية وترهلت، وانقبض العقل، واستحكمت البدع والخرافات فى الجسد الإسلامي المريض. وفُرِّغَ الإسلام من معناه، وضاع هدفه عندما حولته الممارسات المادية التى أساسها الطمع إلى عصا تأديب يتكئ عليه الحاكم، ويبرر بها وجوده واستمراره. حتى صار الإسلام إلى ما هو عليه الآن، مُمتهنًا من الذين يحكمون بإسمه، ومُمتهنًا من الذين يريدون القضاء عليه، مأسورًا في عباداته وطقوسه، ومغلوبًا على أمره في داخل وطنه وخارجه.

وضحت المقارنة، ومفادها أن العلمانية نشأت عند فشل الكنيسة في أوربا في ممارستها للمسيحية الحقة، وتحقيق ما أراده الله للإنسان من رحمة وعدل ورفاهية. كما فشلت الممارسات الإسلامية فى تحقيق جوهر الإسلام وهو الحرية والعدل والمساواة. ونُسِب فشل الممارسات المسيحية والإسلامية الى جوهر المسيحية وجوهر الإسلام، وتم تحميل الجوهر الواحد للدين الإسلامي والمسيحي كل تبعات الفشل التاريخي لهذه الممارسات فى الحالتين. وكانت نتيجة الفشل في الحالة الأوربية، نبذَ المسيحية بكل ما قدمته للبشرية من مبادئ خلقية سمحة. وكانت نتيجته في الحالة الإسلامية، نبذَ الإسلام وتبني نموذج العلمانية الغربية كاملا من قبل البعض، والتخلي عن النموذج الإسلامي فى جوهره الصحيح، متمثلا فى الحرية والعدل والمساوة، ومن قبلهم إعمال العقل في كافة شؤون الحياة أساسًا للتقدم والازدهار. والنتيجة فى الحالتين هي القضاء على الدين لحساب التحرر المادي بكل تبعاته ورذائله ووحشيته، والقضاء – إن شئنا القول - على العلمانية الدينية فى مفهومها الرشيد وهى تطبيق جوهر الدين للرقي بالإنسان بوسائل علمية مادية، يضبطها العدل والحرية وحق الحياة الآمنة للجميع، دون طغيان لفكرة على أخرى أو لمبدأ على آخر.

والنتيجة فى الحالتين تصب فى صالح اليهود وأتباعهم من الحكام الطامعين من غير اليهود، الذين استغلوا العلمانية لتفتيت المسيحية وتشييع معتنقيها، فغيبوا أهدافها عندما أفلحوا فى طمس معالمها الحقة. وهم ذات اليهود وأتباعهم من غير ملتهم من الحكام، الذين فتتوا المسلمين وقسموهم إلى فرق متناحرة، ومسخوا جوهر الإسلام الحق.

وعندما أخلُصُ إلى هذه النتيجة، لا أرد أسبابها إلى اليهود وتآمرهم على الدين المسيحي والإسلامي من أجل أغراضهم المادية المعروفة تاريخيا، فهم يعملون جاهدين لتحقيق أغراضهم للسيطرة على العالم بتمزيق روح الإنسان، وتشكيكه فى منابع الإيمان، وإغراق جسده فى الرزيلة، وتخدير عقله بمخدر الجنس، وموجات التحرر العابثة. إنما ترجع كل الأسباب إلى قبولنا بالمخطط اليهودي، واستكانتنا له، ودعمنا لأساليبه.

فهل ياترى ينجح علمانيو الشرق تحت شعار: العلمانية هى الحل، أم تنجح بعض التيارات المسلمة تحت شعار: الإسلام هو الحل، أو نقبل بالوضع الراهن المهين، انتظارًا للحل من صانعي العقدة المهرة، فلن يجئ الحل ولن يسعدنا انتظار.  

نشرت بدنيا الوطن في 2008-10-12      

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2008/12/10/152736.html

10‏/10‏/2008

لمن تدق الأجراس؟ د. رضا على حسن

 استعير عنوان هذه المقالة من رواية شهيرة لإرنست هيمنجواي، وذلك لتشابه المعنى ولكن المقصد مختلف. أراد هيمنجواى أن ينبه العالم إلى خطورة الحرب وعدم جدواها، فلا المحاربون الذين يكتون بنارها مقتنعون بما يخوضونه من حروب ولا هم متفهمون لسبب قتالهم بعضهم البعض رغم استمرارهم فى القتال. وخراب الحرب بلغ ما بلغ، دون أن تجد من يوقفها إنقاذًا لأرواح الناس.  وبقيت رحى الحرب طاحنة إلى يومنا هذا، وظل المعنى الذى قصده هيمنجواى حبيس السطور، ولم يستوعبه إلا أبطال روايته، وصُم الناس الذين من أجلهم كتب هيمنجواى ما كتب، ليبين لقرائه مقاصده لعلهم يفيقوا من سباتٍ كُتبَ عليهم، أو قد كتبوه هم على أنفسهم.

          قلت إن مقصدي فى هذا المقال مختلف، ولكن المعنى واحد. وكل ما أخشاه أن لا تتاجاوز الأفكار السطور، فيغفل عنها من ندق الأجراس له، فلا ينفعل بها، أو قد تزيده صممًا على صممٍ.        

          وبعد هذه الديباجة- التى لا مفرَّ منها، ألا يجب أن تُدق الأجراس من أجل مشكلة التعليم فى مصر؟ وهي مشكلة ترتفع أهميتها إلى مرتبة الدفاع عن الوطن، ففى حلها دفاعٌ عن الوطن، وفى إهمالها تفريطٌ فيه وفى أهلِه.  فهل يجب أن نكون بصر من لا سمع له، فنُبصِرَه بما عجزت الأجراس أن تُسمِعَه بطنينها، لعل البصر يقوده إلى الغاية التي فشل فيها السمع؟ فهيا نرى سوءة التعليم فى وطننا، قبل أن تزول أبصارُهم، كما زال عنهم سمعُهم.

          كيف تكون الرؤية؟ هل نراه كما يراه مسؤولو التعليم أرقامًا مجردة لطلاب، وأعدادًا لمقاعد وفصول ووسائل؟ أم نراه مجردًا في طالب جامعي، يكون مثالًا واقعيًا لأغلبية تكادُ تكون مطلقة من طلاب الجامعة، أو نراه فى مدرسة، أو جامعة، أو هيئة إداريةٍ تعليمية. وهل نرى التعليم بعين أستاذ بالجامعة، أو أستاذٍ بالتعليم العام، أو مديرٍ لقطاع تعليميّ، كلٌّ يدرك أوجهًا كثيرة من الخلل في موقعه، وكلٌّ يملك الحل، يهمس به حينا في جلسات الأصدقاء، ويحبسه في صدره حينًا، ليزيده همًّا على غمٍّ. أم نراه بعين مفكر، يستمع، ويدرك، ويفكر ثم يقضى بالحل، ويجهر عاليا بما يقول، فيجد آذانًا صمًّا، وعيونًا لا ترى. فينقلب هو الآخر مدحورًا خاسئًا، فكأنه ما سمعَ وما وعى، وما كتب.

          هيا نر موطن العلة بعين الراصد لما يحدث. نراهُ فى طالب جامعي، تخرج منذ حين، هو بالنسبة لنا منتج تعليمي يكاد يكون نهائيًا، تجتمع فيه كل أوجه القصور- أو لكي لا نظلمه، نقول التقصير تقصير أساتذته، بدءا من أستاذه فى التعليم الابتدائي، نهاية بأستاذه الجامعى، وعلى رأسهم مديرو كل مرحلةٍ تعليميةٍ، ثم من فكر وخطط للتعليم.

           أُتيح لصاحبنا هذا أن يتعلم، وفرت له أسرته سبيلًا ميسورًا فى مدرسة  جيدة، ولم تبخل عليه أسرته بالمال لشراء الحلوى عندما كان طفلًا، يُطعَم ويَشرب ويشاهد التلفاز فى سهولة ويسر، مثله مثل أبناء الطبقة الميسورة الحال في المدينة أو القرية. دخل الجامعة، وقضى بها ما قضى من الزمن، مطمئن النفس هادئ البال. وتخرج منها ليبحث له عن عمل، فإن وجده حمد ربه، وإن لم يجده نقم. وإن وجد عملا مطابقا لتخصصه حمد ربه أكثر، ثم فوجئ بأنه غير قادرا على فهم عمله الجديد، لأن ما تعلمه فى حياته العلمية مختلفا تمام الاختلاف عن واقع العمل الفعلي. وبهذا يكون أمامه خياران: أن يكابد ويتعلم مبادئ هذا العمل من جديد على مضضٍ، أو ينعي حظه التعس الذى أوقعه فى هذا العمل. ويدخلُ فى دائرةٍ دار فيها غيره من العاملين، فاكتففوا بأجورِهم أو لم يكتفوا، وقنعوا بعمل وإجراءات لا يفهمونها، ولن يستطيعوا تطويرها، لأنهم لم يعدوا إعدادًا علميا ليرتقوا بأنفسهم وبعملهم وعالمهم، وإن كانت لديهم الرغبة في الرقي، لم يُؤتَوا القدرة على التنفيذ، ولم يَسمح لهم نظام العمل العقيم بذلك. تلك هى صورة واقعية موجزة لمن وجد عملًا تخصص فيه، فما بالك بمن وجد عملًا لم يتخصص فيه، أو من لم يجد عملًا على الإطلاق. هذه هى صورة إيجابية لمن وفرت لهم أسرهم قسطا وافرًا من التعليم، فما بالُنا بمن هم أدنى من ذلك بقليلٍ أو كثيرٍ.

          هيا نقترب أكثر، لنرى عن كثب، ما لم نراه عن بعد. ماذا يدور بعقله، ويجول بخاطره؟ ماذا عن إهتماماته ورغباته ومشاعره؟ كيف يعيش عالمه، وكيف يتصرف فيه؟ باختصار: من هو؟ وماذا أضافت له سته عشر عاما من التعليم؟ هيا نر. تسأله: ما هو هدفك؟ يجيب: أن أُصبح غنيا، مشهورا، أحصل على ما أريد متى أحب. تسأله: ماذا تريد؟ يجيب: أن أهنأ مثلما يهنأُ الآخرين، أسافر، أنطلق، أصاحب، وأستمتع بحياتى، فأنا لست بأقل منهم. تسأله: ما هي اهتماماتك؟ يجيب: مشاهدة التلفاز، والتسامر مع الأصدقاء. تسأله: كيف تعيش يومك؟ يجيب: أسهر مع الرفقة حتى الصباح، وأصحو متأخرًا. تسأله: ألا يوجد شيئ آخر يشغلك غير هذا؟ يجيب: لا، درجنا على ذلك منذ أيام الجامعة. تسأله: كيف كنت تستذكر الدروس؟ يجيب: كنا نحفظها قبل الإمتحان، وننجح! تسأله: ماذا تحب أن تكون؟ يجيب: قلت لك غنيا ومشهورا، ويضرب لك مثلا بمطرب أو لاعب كرة أو ممثل. هل يكفي هذا القدر من الأسئلة؟ بالطبع لا، فهناك أسئلة مثل: لمن تقرأ، أو ما هى وجه نظرك فى موضوع ما، ولكن لا جدوى من الاستمرار في دائرة من الملل، فلا طائل من ورائها. ولكن يبقى أهم الأسئلة بلا إجابة، ويجب أن نوجهه له: كيف تحقق ما تصبوا إليه؟ يجيب: لا أعرف. دائن أم مدين هو ياترى، ظالم لنفسه أم مظلوم هو. كذبَ فى رسم صورة عن نفسه، فأنصفنا وبَرَّئنا من تحمل مسؤولية ما وصل إليه، أو صَدق فى رسمها فأداننا بصدقه، وكذَّبنا فيما أوصلناه إليه.

          هيا نقترب أكثر فأكثر، لنرى بوضوح العوامل التى أدت بصاحبنا إلى ذلك الواقع المؤلم الذي تحدثنا عنه. بالطبع هي عوامل متشابكة كثيرة، أدى تشابكها إلى ضياع معالمها، وصعوبة تتبعها، وبالتالي صعوبة حل عقدها. ولنأخذ يوما تعليميًا من حياة هذا الطالب، ليكون مثالًا واقعيًا لتشابك هذه العوامل. وليكن اختيارنا ليوم من تعليمه العام، ويوم آخر من تعليمه الجامعى. يذهب صاحبنا إلى مدرسته الابتدائية مُثقلًا بحقيبته التي يملؤها الورق، ومُثقلًا بهموم استرجاع ما فيها من دروس في ليلته الماضية. يُنهكه طابور الذنب الصباحي كأنه يوم حشر، يتناوب عليه مُدرسوه بأوامر لتنفيذ بعض التمارين الرياضية التي لا يفقه لها معنى، ولا يفهم منها إلا أمرا بفعل. يدخل فصله حيث يتناوب عليه المدرسون واحدا تلو الآخر، يقرؤون له ما فى الورق، ويأمرونه بالحفظ وينهونه عن اللهو والتفكير. يدمرون عقله ويوجعون بدنه، ويعدونه أن يكون آمرًا ناهيًا إذا امتلك الأمر، خائفًا مُستجيبًا عندما لا يملك منه شيئا! يعلمه أساتذته أن العلم حفظ وطاعة، ويقتلون فيه كل تساؤل وتفكير. ولن أتحدث عن علوم مثل التربية الفنية والموسيقية والرياضية ينبغى لها أن ترقى بحسه وبدنه، أهملوها لأن الجهاز التعليميّ اعتبرها فى ذيل القائمة، لأنها فنون غير مكتوبة تخالف طبيعة ما فى الورق، يصعب تلقينها واسترجاعها، فكل شيءٍ لديهم هو حبر على ورق.

          لم يختلف الأمر كثيرا، عندما نختار يوما فى حياة طالب جامعي. يستمر مسلسل الحفظ والتلقين، وإبطال العقل والتفكير. حيث تُستَبدَل الفوضى المنظمة فى مراحل التعليم الأولى بفوضى لا تكاد تعلم لها شكلا ثابتا. وكل يوم يمر في الجامعة تزداد فيه الفوضى وتتشابك خيوطها وتتنوع أشكالها. والعنصر الثابت فى هذه الفوضى هى المعوقات الإدارية والتعليمية، وتختلف أشكال هذه المعوقات ليتثبت جوهرها يوما بعد يوم. ولا يوجد حلول تقدمها الجامعة من داخلها، وهى الأدرى بمشاكلها: مثل زيادة الأعداد، وعدم الالتزام بالمحاضرات لعدم وجود الأماكن، وضعف المناهج الدراسية، وضعف مستوى الدارس والمدرس، فضلا عن عدم الانضباط، وضعف التنظيم العام، وعدم التفرغ للعملية التعليمية. وهي مشاكل يمكن حلها بسهولة إذا أخلصنا النية والعمل وابتعدنا عن الحلول المستوردة مثل جودة التعليم وتطويره!     

          ونخلُصُ من الأمثلة السابقة إلى أن الطالب في كل مراحل تعليمه أصبح هدفا لمنظومة مركبة تزدادُ خطأً يوما بعد يوم. تعلمه هذه المنظومة المدمرة درسًا بالمدرسة، لينسى دروسًا فطره الله بها. يعلمه أستاذه أن يحفظ درسه، ونسي أن يقول له لماذا يحفظه، وماذا سيفعل به.  علمه أستاذه أن يحفظ ما يجد، وأنساه أن يعيَ ما يحفظ. تعلم لفظة نعم، ونسي ألفاظًا خلقه الله ليسأل بها، مثل لماذا وكيف. أخضعه معلمه لما يرغب، ولم يعلمه أن يُخضِع نفسه لما يرغب. قال له إقرأ، ولم يقل له فكر فيما تقرأ. قال له افعل، ولم يعلمه كيف يختار ما يفعل. علمه حروفا أنساه بها عقله وحريته. علمه حروفا ليكتب بها واجباته، ولم يعلمه كيف يطلب بها حقه. وأصبح كما ترى، يحمل أسفارا، لا يكاد يتذكر ما فيها، تُكبّله بحملها، وتُحمّله ما لا طاقة له به. وقَنِعَ معلموه بما فعلوا، فرضى منهم من رضى وبات هنيئ البال، ورفض منهم من رفض واكتدر، وأوى إلى فراشه قائلا: لن يحاسبنى الله على ما أفعل، فالأمر ليس بيدي. فمن يا تُرى يقع عليه وزر التقصير، أظن أنها إجابة يعرفها جيدًا كلُّ من قنع ومن رفض.

          ننتقل إلى من بيدهم الأمر. هل ملكوا أمرهم، أم ملكهم؟ أكثر الظن أنهم شاهدوا ما شاهدنا، وانفعلوا بما انفعلنا به. وعلِموا تمام العلم أن مشكلةَ التعليم فى مصر مشكلةٌ مُركبةٌ، تبدأ بغياب الهدف التعليمي والتربوي، وما يتبعه من عشوائية فى التخطيط، ثم مشكلات أخرى تنتج بدورها عن غياب الهدف، كمشاكل زيادة الأعداد، وقلة الإعداد والعتاد! فراحوا يحملون القصور كله على زيادة الأعداد وقلة الإمكانيات، ولم يعترفوا أصلا بغياب التخطيط. وراحوا يعقدون المؤتمرات، ويكتبون وصفات علاجية مستوردة لتحديث التعليم، وجرّبوا، ثم أعادوا التجريب المرة تلو الأخرى، وسألوا عن المريض وابتسموا له فقط، ولم يسألوه كيف مرض، وما هو مرضه. فزاد مرض المريض وتضخمت مشاكله، وأشرف الآن على الهلاك، إن لم يكن قد هلك. مع أن العلاجَ ممكن، إذا وُجد الطبيب الماهر، الذي يستمع إلى شكوى مريضه بعناية، بل ويساعده أن يشكوَ جيدًا، ليصف له العلاج الناجع.

          والمريض هنا هو الطالب الذي تحدثنا عنه، ومن يُعلمه ومن يُدير له تعليمه. المريض هو ذات الهدف، والمشكلةُ إنسانية مَحضة، وهى ليست مشكلة تحديث الإمكانيات التعليمية كما يحلو لهم أن يصوروها. الطالب هو هدف التعليم الأول، والتعليم هدفُهُ تربيةُ العقل والضمير والرقى بهما معا، من أجل تطوير المجتمع، وأدواتنا لذلك هى المدرس، والمدير، والمفكر، والمشرع. ثم يأتى بعد ذلك كله، أو من أجله،  بناء المدرسة، وشراء السبور، والمقعد.     

          والحل لابد أن يكونَ مصريا، لأن الهدف هو المتعلم المصري، الذي يعيش في مصر، والذي يعمل فيها، يرقى بها إن أفلحَ، ويهوى بها إن أخطأَ. والهدف هو رقي المتعلم أولًا، ففى رقيه رقيٌ لوطنه. وليس الهدف هو جلب خطط وإمكانات من الغرب تتناسب وأهلها هناك، ولا تناسبنا. وتظل الإمكانات حبيسة العلب، أو تستخدم فى غير محلها، وتظل الخطط حبيسة رأس من جلبها إلينا. وحُلولُنا لابد أن تكون مصريةَ المنشأ، يخطط لحلها عقل وضمير مصري واعِ، قادر على تنفيذ ما يُخطط له، ويعالجها أطباء جراحون مصريون مهرة، قادرون على إستئصال الخبيث من البدن دفعةً واحدةً من غير تجريبٍ، فجسم المريض أصبح غير قادرٍ على التجريب.

          فهل يستحقُ التعليمُ، بعد هذا الصورة التى رسمناها، أن ندق له الأجراس؟ وهل يَحقُ للذين ندق لهم الأجراس أن يتمادَوا فى غفلتهم عنها. لهم تدق الأجراس! ولنا حصادُ غفلتِهم.

08‏/10‏/2007

مقدمة "فياجرا" - مجموعة قصص قصيرة للدكتور خلف عبد العزيز د. رضا علي حسن

هي مفردات العصر الحديث وتوابعها فٌرضت علينا لنحيا بها، نقبلها حينا، ونرفضها أحيانا، ونلوكها جملا قصيرة معبرة نرصد بها واقعنا ونسجل بها آلامنا وعجزنا. هذه المفردات ذاتها هي التي عاشها كاتب هذه المجموعة القصصية القصيرة أو عاش في ظلالها فاستوعبها أو استوعبته، وصاغته فصاغها في جمل تلغرافية أنيقة وقصص قصيرة يسجل بها واقعا بكلمات وجمل لا ينقصها الصراحة والسفور، يزداد رونقها تحت عناوين رمزية ومعان لاذعة. فالعبارة السافرة والرمز ولذوعة المعاني، رغم تناقض هذه المعطيات الثلاثة، تدفع بالقارئ الى أجواء خاصة يتنازعه فيها الخيال والواقع والخطأ والصواب. أجواء خلقها الكاتب المبدع عن عمد ليستثير بها عقول قُرّاءِه فيزيدهم علي متعة الأدب متعة التفكير والتدبر. كأنه يقول لقراءه هذه محاولتي  أصيغ بها موقفا من حياة كانت مستقره، عبثت بها رياح الحداثة، فهيا فكروا معي كيف نعريها ونفضحها كي لا نستسلم لها فتسفد علينا حياتنا أو نفسد بها !

          تسيدت المرأة موضوعات هذه المجموعة القصصية. فهي خائنة ولعوب في عدد كبير من القصص كـ "فياجرا" و"خيانة"، وكان ترتيبهما في الصدارة كإعلان صريح من الكاتب بمثابة الموقف من المرأة. ويتردد هذا الموقف كثيرا في قصص أخري علي سبيل المثال وليس الحصر مثل "نونة والذئاب"، "اللعوب والواشية"،  و"رسالة الي فتاة لعوب". ولكني لا أحسبه موقفا نهائيا للكاتب، فللخيانة ما يبررها من رغبات طبيعية لزوجات أو عشيقات فشل الأزواج أو العشاق في تلبيتها، أو مفردات حداثية تعلي من قيمة الجسد علي حساب العفة مثل الإنترنت والتلفاز والهاتف، وما جاء من تبريرات حسية في هوامش فرويد كما في "الوسواس الخناس" و "خيانة دوت كوم". وصور لنا الكاتب المرأة تارة جارية تتلاعب بمقادير الملوك كما في "اللعوب والواشية"، وتارة ثانية جارية  حديثة مبتذلة تتفضح لمن يدفع لها في غرف التشات كما في "خيانة دوت كم" و "خلفيات"، وتارة ثالثة زوجة أو عشيقة يفقد الرجل تحت قدميها رجولته حبا في جسدها وابتذالها كما في "المسخ". وفي جميع هذه القصص التي جائت المرأة ركيزة لها يلح هذا السؤال علي مخيلة وعقل القارئ: هل هي المرأة كذلك خائنة لعوب مبتذلة، أم هو الرجل الذي تسيدته رغباته فابتذل عقله ورجولته من أجلها في عالم حديث تسيدته الصورة وسيطر عليه الجسد؟!

          ومن سلطة الجسد الأنثوي علي العقل، يتعرض الشاهدي كثيرا إلى سلطة الحكم أيضا علي العقل والجسد. فنجد الملك الذي فقد عقله من أجل جارية في رمزية مواربة للظلم والتسلط على الجسد متمثلا في عقابه البشع للواشية في "اللعوب والواشية"، وانشغاله عن جادة الحكم بأمور بعيد كل البعد عن إعمال العقل. وتوالت صور الحاكم اللاهي عن جادة الحكم مثل الملك ذو البصاصين الذي يهب بغير حدود في "الحقود"، أو ملوك الأموين الذين يصاحبون أعداءهم متي صاروا أعداء لغرمائهم، أو عندما صور أصحاب السلطة والمال والمدراء والوزراء أهدافا للنساء لما لهم من سلطة غير راشدة كما في "الغبي". وتتوالي رموز السلطة  التي غاب عنها العقل فنجد مثلا تصوير رئيس اللجنة بالبطين في " اللجنة"، في إشارة تهكمية سافرة تستبطن واقعا حقيقيا لرموز السلطة. وأبدى لنا الكاتب موقفه من سلطة الدين وتسلطه على العقل حين قص علينا نبوءات مسيلمة الكذاب في "سرطان" و "عودة مسيلمة الكذاب" و "الناسك والمدينة المقدسة".

          أستكمل الشاهدي في قصصه ثالوث التخلف الذي نحياه، فأكمل سلطتي الجسد والحاكم الفاسدتين بتسلط النفس العابثة علي العقل، فهى تحط من قدره ولا ترقى به أبدا. فجاء تصويره مثلا للغبي، والمعتوه، والحقير، والأبله، والمسخ، وحماران، والوسواس الخناس، والصعلوك، والسوقة خير دليل على وعي الكاتب برذائل خطيرة كامنة في نفوسنا تعيقنا عن التفكير السليم والحياة الصحيحية. هذه النفوس العابثة هي المسؤلة عن الفوضي والتخبط الذي نحيا فيه والذي صوره كاتبنا بمهارة في "السوقة" و"اللجنة" حتي غلب عليه الألم والحزن من جراء فوضي قيمية تملكت عالم اليوم ولا يبدو لها انقشاع فعبر عن ذلك على سبيل المثال في "سرياليات" و"خلفيات" و"ولي النعمة" و"فنان شرير"، حيث نقل لنا الكاتب إدراكه للفوضى وشعوره بالحزن على فقدان الهوية في عالم متغير حائر.

          هذه الخطوط الثلاثة (الجسد، الحكم، الضعف النفسي) التي احتذاها الشاهدي في قصصه القصيرة تقاطعت وتشابكت في غالبية القصص وكأنه يقول إن سلم العقل من طغيان الجسد فلن يسلم من فساد الحكم وبراثن الضعف النفسي. فعبر عن تلك الخطوط الثلاثة بكلمات دقيقة تجسد وتصور وترمز للسلطة بتعدد أوجهها، سلطة الجسد، والحكم، والنفس. وهي كلمات وعبارت موجزة إختارها الكاتب بعناية ومقدرة لغوية فائقة ليصب معانيه في قوالب من صنعه، مزج بها الواقع بالحياة، والرزيلة بالفضيلة، والإثم بالحق، والمنطق باللا منطق، والدين بالادين. فاستعار بعض ألفاظه من التراث الثقافي العربي والإسلامي، واستخدم ألفاظ حديثة بما يتوافق مع محتواها لفضح حداثتها، ونحت عبارات جديدة كي تفي بمعان جديدة أراد أن يعبر عنها. فلم تخذله اللغة ولم تخذله المعاني.

          لا أريد الإطالة على قارئ هذه السطور، ولن أقابل إيجاز الشاهدي فى قصصه القصيرة جدا إلا بكلمات موجزة علها تفلح في مثل ما أفلح فيه من إيجاز لصور من الحياة بعبارات قصيرة تغطي ما في الحياة من تناقض وتكشفه. وسوف أتركك عزيزي القارئ لتسمتع بهذه الحياة التي رسمها لنا الشاهدي في قصصه وتستنكه ما تذخر به من رحيق أدبي استخلصه الكاتب من بين مرارة حياة واقعية أليمة، فهيا نهرب من آلامها إليها.

 

نشرت في دنيا الوطن، دروب، شباب مصر في 2007-10-08   

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2007/10/08/106504.html   


ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالم...