‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعليم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعليم. إظهار كافة الرسائل

13‏/05‏/2010

أخلاق بلا دين ! د. رضا على حسن

مقرر دراسي جديد أطلقوا عليه "لأخلاق" جنباً إلى جنب مع مادة الدين، هكذا قرأت في الصحيفة ذات صباح. تذكرت حينها "أرض النفاق" وهي رواية كتبها يوسف السباعي منذ سنين عديدة صور فيها نفسه متجولا في شارع وإذ به يرى لافتة معلقة على حانوت صغير كتب عليه "تاجر الأخلاق بالجملة والقطاعي". صدمتني الرواية عندما قرأتها في صغري لأنها تخالف كل ما تعلمته في المدرسة من أخلاق.  وها أنا اليوم أستعيد صدمة الماضي عندما قرأت إعلان الوزير ومفتي الجمهورية عن مادة جديدة تسمى الأخلاق في كتاب يكون مقررا على الطلاب العام القادم.

          عدت بذاكرتي إلى الماضي أستحضر فيه أسئلة وجهتها إلى أبي، وهو من رجال التعليم في الماضي الجميل، سألته هل يوجد هناك تجارة للأخلاق، هل ما كتبه يوسف السباعي حقيقي، هل تستطيع أن تدلني على هذا التاجر كي أبتاع منه ما يكفيني من الشجاعة والبطولة حتى نهزم أعداءنا ونعيد أرضنا المحتلة. كان هذا هو هدفي: أن أهزم الأعداء. وذهبت إلى المدرسة أشارك زملائي فيما قرأت فأخذنا نحلم بهذا التاجر لنشتري لأنفسنا قدرا من الشجاعة تمكننا من هزيمة الأعداء. هكذا كنا نفكر، ولم يتطرق إلى تفكيرنا نحن الصغار أن نشتري قدرا من القوة تمكننا أن نستولي بها على بنك فنصبح أغنياء بين يوم وليلة، فنشتري الحلوى واللُّعَب لنأكل ونلهو. كان لنا هدفا واحدا مشتركا، وكنا نفكر فيما ينفع الوطن، وكنا نعي جيدا أن من يسرق يصير لصا، وأن اللص يعيش خائفا وجبانا ينفر منه الناس أينما ذهب. هذه كانت أخلاقنا بغير مادة للأخلاق.

          جاء اليوم الذي نكتب فيه الأخلاق في ورق ثم نبيعه للطلاب! وكأن الأخلاق هي شيء منفصل عن الدين والعلم والعمل. سؤال بسيط أطرحه على واضعي منهج الأخلاق ألا وهو كيف نضرب مثلا للشجاعة أو الأمانة أو الكرامة أو السماحة أو التضحية دون أن تكون هذه الأمثلة من التاريخ الإسلامي أو المسيحي؟ هل يوجد في التاريخ الوثني أمثلة كاملة لهذه القيم؟ هل سيكتفي واضعي هذا المنهج بتعريف هذه القيم دون أمثلة من التاريخ أو دون تطبيق؟ هل تكون هذه القيم على شكل افعل ولا تفعل، هذا صواب وهذا خطأ دون قاعدة قيمية أو أخلاقية؟ أسئلة كثيرة لا أدري لها إجابة وأظن أنهم أيضا لا يعرفون لها إجابة.

          وإذا قلنا في كتاب الأخلاق الجديد أن السرقة حرام، فسوف تقودنا فطرة الطالب إلى السؤال عن ما هو الحرام؟ فيجيبه مدرس الأخلاق هذا ليس من تخصصي فلا توجد له إجابة في منهج الأخلاق، اذهب إلى مدرس الدين، يجيبك على هذا السؤال، فهذا في تخصصه! وإذا قلنا في كتاب الأخلاق الجديد أن السرقة خطأ فادح، فسيسألنا الطالب لماذا تكون السرقة خطأ؟ فبماذا يجيبه مدرس الأخلاق، هل سيقول له لأن وزارة التربية والتعليم تقول أن السرقة فعل خاطئ، وأن تبرير هذا الخطأ أو الإجابة على هذا السؤال يكون في حصة الدين. أتخيل أن وزير التربية والتعليم يرى أن يكون السؤال في حصة الأخلاق والإجابة في حصة الدين، ولكنى لا أتوقع أن فضيلة المفتى يوافقه على ذلك! ولكن هذا ما حدث.

         وإذا اكتفى واضعو منهج الأخلاق بالمعاملات، كجرم الغش مثلا، فسيكون للطالب نفس السؤال: لماذا يكون الغش خللا أخلاقيا؟  فبماذا تكون الإجابة؟ أما إذا اقتصرت مادة الأخلاق على تعليم الطلاب (الإتيكيت) أو الآداب المتعلقة بالملبس وطريقة الأكل والشرب والكلام والنظافة، فهذا كله مفصل في الدين ولقد أخذه الغرب عنا فتقدم وتفوق فيه، وأهملناه نحن عندما اقتصر الدين على الشكل وترك الجوهر.

          والآن نتحدث عن مادة الدين، كيف ندرسها والأخلاق جوهرها؟ هل ننزع عن الدين أخلاقه؟ هل نكتفي بتعليم الطلاب كيفية الصلاة في درس الدين، ولا نقول له أن المصلي لا يغش، ولا يكذب، ولا ينافق، لأن الغش والكذب والنفاق من شأن درس الأخلاق. الأخلاق جزء لا ينفصل عن الديانات الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام، حتى جاء الإسلام فتمم مكارم الأخلاق وصدق على ما جاءت به الديانات السابقة وأظهرها في أكمل صورها. والأخلاق هي محل اتفاق كل الديانات السماوية، فكيف نفصلها عن الدين، وكيف نفصل الدين عنها؟

          أرى أن تكون الأخلاق والمعاملات بابا في كتاب الدين الإسلامي والمسيحي، فهذا مقبول ومنطقي. كما أرى ألا نكتفي في كتب الدين بشرح العبادات، بل يجب علينا شرح المقاصد والغايات من ورائها، وأن نبسط للطلاب لماذا نصلي، لماذا نبتعد عن الغش، لماذا نحب الأمانة والنظافة والصدق والشجاعة والتسامح. يستطيع معلم الدين أن يبسط كل هذه الفضائل، كما يستطيع معلم العلوم أو الرياضيات، ومعلمو اللغات، أن يهذبوا أخلاق الطلاب عن طريق موضوعات دراسية وقصص تحبب الطلاب في القيم والأخلاق. وذلك يتم بدون كتاب منفصل للأخلاق يشكل عبئا جديدا على الطلاب. نحن لسنا في حاجة إلى أسفار جديدة يحملها الطالب ولا يعيها، وتتحمل نفقاتها الدولة بلا عائد وبلا مردود أخلاقي أو مادي. نحن بحاجة إلى أخلاق فعلية يراها الطالب في مُدَرِسه نموذجا يحتذى، فيقلده لأنه يحبه، كما يقلد أبيه وأمه لأنه يحبهما، فلا يجد الطالب فارقا أخلاقيا بين ما تلقنه إياه أسرته بالمنزل وما يتعلمه من مدرسيه في الفصل، ويكون هذا في انسجام واتفاق شفهي وفعلي بين البيت والمدرسة بدون كتاب وورق وأسفار لا يعيها الطالب ولا يقتنع بها المدرس والبيت.

          الصدق سيد الأخلاق، تعلمنا هذه العبارة في الصغر. ولقد كبرنا الآن ونستطيع أن نفهم لماذا تربع الصدق على عرش الأخلاق. فهل يقول لنا الوزير والمفتي ما هو السر وراء فصل الدين عن الأخلاق؟ لقد أكثرت من الأسئلة وأسرفت في استخدام علامات التعجب لأعرف هذا السر، وإن كنت أعرفه وتعرفونه. فأنا تنقصني فضيلة الشجاعة كي أجيبكم عما أعرف، أو قد تنقصني فضيلة الصبر عن الإجابة، فربما تجيء إجابتي مُطَوَّلة في كتاب أبغضه عن الأخلاق، خاصة إذا كانت هذه الأخلاق بلا دين.

 نشرت في دنيا الوطن 13-05-2010

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2010/05/13/197931.html

24‏/04‏/2010

جودة التعليم وتعليم الجودة. د. رضا علي حسن

الصورة دائما مختلفة لدينا نحنُ المصريين، فعندما نريدُ الإصلاح نتكلم عن الجودة، وعندما نريد الجودة نسميها الرقيّ! وأصل الشيء أن نسميه باسمه، ويكون هذا الاسم معبِّرًا عن معنى، له مدلول نفهمه حتى نستطيع التعامل به ومعه. وكذلك تكون جودة التعليم عندنا في مصر، وهو مصطلح جديد شاع حديثًا في الأوساط التعليمية منذ عدة أعوام قليلة. فهل قصد مبتدع هذا المصطلح أن التعليم عندنا في خير وسلام، والهدف هو الارتفاع به قليلًا كي يكون جيدًا؟ أم قصد به أن الهدف هو جودة التعليم، أي أن التعليم لدينا لم يكن جيدًا من قبل، والهدف هو تطويره كي يكون جيدًا؟ أم أن - المبدع الملهم - لا يعرف معنى التسمية، ولا يعرف لها هدفًا محددًا، ولا يعرف معنى التعليم، ولا يعرف الهدف منه؟ وأغلب الظن أنه يجهل أيضًا أن التعليم لدينا ليس جيدًا، وأنه دائمًا يؤكد أن التعليم بصحة لا بأس بها. وإن كل المطلوب أن تكون الصورة حلوة براقة، تلفت الأنظار إلى حلاوتها من شدة لمعانها، فنصفق مبهورين بها، ونهدأ بالًا، ويكون كل شيء على ما يرام لأن الصورة تنطق بذلك من فرط حلاوتها. والصورة دائمًا مختلفة لدينا، نريدها براقة زاهية، نتجمل بها ونتغزل فيها ونعبدها، ونكرهها صورة معبِّرة، واصفة، كاشفة، أو صادمة.

          إن مصطلح "جودة التعليم" هو مصطلح غير دقيق، لا يعبِّر عن واقع التعليم المؤلم، ويعكس في طيّات كلماته عدم دراية بهذا الواقع، لأن الكلمات ببساطة لا تعبِّر عن مشكلة التعليم في مصر، ولا تعترف بها، بل تتهرّب منها وتواريها. ومشكلة التعليم في مصر واضحة للتلميذ قبل المعلّم، وللجاهل قبل الجهبذ. فكيف تكون غائبة عن واضع التعبير؟ وأغلب الظن أن المشكلة واضحة أمامه، ولكنه إما لا يعرف لها حلًّا، أو لا يدري بها أصلًا. فيكون الحل باختياره لكلمتين رنّانتين لهما إيقاع جميل على الأذن، وليس لهما مفهوم واضح محدّد، فيُخفي هذا التعبير مشاكل التعليم، ويبتعد عن تفاصيله المريرة، وتكون الصورة براقة، ويكتفي بالصورة البراقة حلًّا، ويبقى الحال كما هو عليه، أو يزداد سوءًا، فالصورة البراقة هي الهدف، وهي الحل لكل مشاكل التعليم. ويأتي بعد ذلك كله تفاخر بنجاح وهمي، وأحاديث عن قدرات وهمية لأصحابها، وتباهٍ بإمكانات ورقية ليس لها صلة بالواقع، وأموال طائلة يتم تبديدها في طلاء الصورة بألوان زاهية تحافظ على لمعانها متجددة كل يوم.

          مشاكل التعليم معروفة لدينا، ولن أطيل في وصفها. وتتلخّص هذه المشاكل أولًا في إدارة التعليم واختيار القائمين عليه، وتحديد أهدافه القومية التي تعود على الأمة بالنفع، فضلًا عن أهدافه الفردية التي تعود بالنفع على شخص المتعلّم. والهدف الثاني جزء لا ينفصل عن الهدف الأول، فرُقيّ الفرد ورفع مستواه التعليمي، وبالتالي مستواه الاقتصادي، هو السبيل لتحقيق الهدف القومي الأول، بل هو جزء من غايته. ثم تأتي بعد ذلك مشاكل ثانوية، مثل كثرة أعداد الطلاب، ومحدودية الأماكن والإمكانيات التي تستوعب هذه الكثرة. باختصار، كانت هذه هي مشكلات التعليم في مصر، وهي مشكلات غاب عنها الحل حتى تفاقمت وتعقّدت، فرسب التعليم وازداد فشله، ورسب معه القائمون عليه من مخطّطين، ومنفّذين، ومدرّسين، وطلاب. وكانت النهاية الصادمة هي رسوب المجتمع أيضًا، فساءت الأخلاق، وساد التسلّق والتملّق. وأصبحت كلمة "التعليم" فارغة المعنى والمدلول، وتحوّلت إلى صورة يحاول القائمون على أمرها تجميلها وتزويقها بمبانٍ تعليمية أنيقة، وأجهزة تكنولوجية ليست للاستخدام، وشجيرات وورود، ولوحات ورقية زاهية الألوان، وملايين الجنيهات تُصرف هباءً منثورًا من أجل  زيارات تُفتتح بها أبنية تعليمية جديدة، أو زيارات مفاجئة يراقبون بها العاملين في هذه الأبنية. والنهاية، لا شيء. صورة نزيّنها لنزيفها، وننفق عليها كثيرًا لنواري بها عجزنا عن الإصلاح الحقيقي للتعليم، بينما الواقع يدل على شيء آخر نعرفه جميعًا، وهو ازدياد الفشل في التعليم، وفي كل شيء آخر يتبعه في مؤسسات الدولة كافة.

          يتبيّن لنا من ذلك العرض المبسّط لمشكلات التعليم في مصر أن "الجودة" كلمة وهمية يُراد بها تجميل، أو قل تزييف، واقع فاسد ومفسد، وأن الكلمة التي ينبغي علينا استخدامها هي "إصلاح التعليم" أو "إحياؤه من جديد". وإصلاح التعليم ممكن، ولكن لا بد له من عدة شروط. أول هذه الشروط أن ينبذ القائمون على التعليم الصورة الزائفة لجودة التعليم التي رسموها لأنفسهم، وأن يتعلّموا هم من أهل العلم الحقيقيين كيف يكون الإصلاح، ثم كيف تتحقّق الجودة بعد الإصلاح. والشرط الثاني أن يتفهّموا أننا لسنا بحاجة إلى خطط إصلاحية مستوردة من الغرب، تتناسب مع ثقافة الغرب ومع مشكلات التعليم لديهم. نحن بحاجة إلى عقل مصري يخطّط، وخبرة مصرية تنفّذ، ولا بد أن يكون أهل العقل والخبرة من المثقفين والتربويين من منتجي الفكر والثقافة، وليس من التكنوقراطيين الذين يتعاملون مع المتعلّم بمفهوم المنتج النهائي، مثله مثل علبة طعام أو آلة كهربائية! ويخالف مفهوم المنتج النهائي طبيعة تربية الإنسان وتعليمه، فهدف التعليم هو تربية الفرد للرقيّ بخلقه، ثم علمه، من أجل حماية المجتمع وضمان استقراره، حتى لا يكون هناك متعلّم بلا خلق، أو فرد له خلق ينقصه العلم وتنقصه الخبرة، أو من ليس له علم ولا خلق. وهذه الأمثلة الثلاثة هي السائدة الحاكمة، نراها في كل موقع، وفوق كل كرسي في مؤسساتنا، وهي التي أدّت إلى الفساد، عن قصد أو عن غير قصد

          نظام "جودة التعليم" أو "ضمان الجودة (Quality Assurance) "من الغرب، ولم نفهمه في سياقه، كما لم نفهم أسبابه وأسباب تطبيقه عندهم. جاء هذا النظام ليقدم الحل لمشكلة كبيرة كانت تؤرق القائمين على التعليم، وهي عدم توحّد الأنظمة التعليمية في الجامعات والمدارس، فمنها الخاص، ومنها ما تدعمه حكومة الولاية، ومنها ما تدعمه الحكومة الفيدرالية. وأدى هذا التفاوت إلى اختلاف بعض الإمكانات التعليمية من مكان إلى آخر، وفقًا للطبيعة الجغرافية أو الطبيعة المتعلقة بالسياسات التعليمية المختلفة من ولاية إلى أخرى. فكان الحل هو تبنّي نظام ضمان الجودة، حتى تتساوى كل الإمكانات التعليمية في جميع الولايات الأمريكية، على اختلاف طرق تمويلها، وحتى تتساوى جميعها عند قياس جودة التعليم. ونرى دائمًا نتيجة هذا القياس على هيئة ترتيب الجامعات أو المدارس في قوائم معلنة كل عام، وهذا الترتيب يعكس دائمًا النشاط العلمي للمؤسسة من حيث الأبحاث والنشر ومدى المساهمة في رُقيّ العلم والمجتمع. ونفهم من هذا النظام أن جودة التعليم كانت قائمة، وكل ما هنالك هو ضمان توحيد أسبابها وعناصرها في جميع الولايات، بما فيها من نظم مختلفة، وذلك من أجل الوصول إلى نظام واحد يضمن استقرار الجودة واستمرارها والرقيّ بها، وفي النهاية قياسها بمعايير ثابتة عادلة معروفة لدى الجميع، وبالفعل حقق هذا النظام هدفه العادل.

         ونظام ضمان الجودة في الغرب له أسس تاريخية قديمة بدأت منذ بداية الثورة الصناعية، فكان الشاغل الأول منذ بداية الإنتاج الآلي هو توافر آليات ثابتة تضمن معايير محددة للمنتج الصناعي، ولن تتحدد هذه المعايير إلا وفق معايير محددة للإدارة، والمنشآت، وساعات العمل، وأداء العمال وانضباطهم. وتبلورت هذه المعايير مع بداية الحرب العالمية الأولى واستمرت حتى الحرب العالمية الثانية لضبط إنتاجية العمال وزيادة الإنتاج الصناعي. وكانت معظم هذه المعايير للتحكم في الجودة (Quality Control) من أجل سرعة وكفاءة الإنتاج. والتحكم في الجودة هو نظام يراقب ويختبر عيوب المنتج الصناعي ويحدد أوجه القصور فيه، فضلًا عن تحديد المسؤول أو المتسبب في هذه العيوب. أما نظام ضمان الجودة، فهو نظام يحاول ضمان الجودة عن طريق تحسين الإنتاج ورفع كفاءته واستقراره عند حدٍّ مرضٍ، وتصب وآلياته في تجنّب أو تقليل العوامل التي تعوق الإنتاج. وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية ودُمّرت العديد من البلاد، ومنها اليابان، قام الجنرال (دوجلاس مكارثر) قائد القوات الأمريكية المحتلة لليابان بتكليف خبيرين أمريكيين بتطوير نظام حديث للجودة لتطبيقه في إعادة بناء اليابان، ونجح هذا النظام بالفعل في بناء اليابان الحديثة. وتطوّر هذا النظام ليشمل عشرة أنشطة صناعية وتجارية وتنفيذية، مثل أنشطة التصميم، والخدمات الإدارية والبنكية، وآخرها التعليم. ويُستفاد من هذه النبذة التاريخية أن أنظمة التحكم في الجودة وضمان الجودة هي أنظمة جاءت لتقدّم حلولًا لمشاكل معيّنة في بلدان لها طبيعتها الخاصة وتركيبتها المختلفة. فقاموا ببناء أنظمة تساعدهم على حل مشكلاتهم بما يتفق مع ثقافتهم وإمكاناتهم وأهدافهم الوطنية أو الاستعمارية.

          هذا النظام هو نظام رائع، يتفق مع التعليم في الغرب، حيث تتوفر الجودة بعناصرها وأسبابها لدى الجامعات والمدارس. وجاء هذا النظام ليضمن استقرار التعليم الجيد في الأصل، وذلك عن طريق توحيد شروط قياسية عامة عادلة تنطبق على كل الدور التعليمية. نحن الآن نتبنى نظامًا أمريكيًّا وضعه الأمريكيون لحل مشكلة تعليمية لديهم. هذا النظام افترض جودة التعليم أساسًا له، وكان هدفه توحيد معايير ثابتة تضمن استقرار التعليم ورُقيّه في أمريكا. ونحن الآن نريد تطبيق معايير الجودة الأمريكية على التعليم المصري، ومثلنا في ذلك كمثل من يرتدي بذلة غالية الثمن، غاية في الأناقة، يذهب بها مزهوًّا ليحرث أرضًا بورًا في صحراء. ليس المهم هو زرع الصحراء، ولكن الأهم أن تلتقط الكاميرات صورًا ملوّنة لصاحبنا الأنيق هذا وهو في طريقه للذهاب، وهو يغرس نبتة واحدة من أجل صورة تُنشر في الصحيفة، ولا يصوّر لنا المصوّر كيف ماتت النبتة من أشعة الشمس الحارقة قبل أن يصل صاحبنا الأنيق بسيارته المكيّفة إلى مكتبه في الوادي، ينفض عن نفسه وسخ الصحراء.

          نحن لدينا مشكلات تتطلّب إصلاحًا جذريًّا، تبدأ بعدم وجود مقعد أو مكتب يجلس عليه المدرّس في المدرسة أو الأستاذ في الجامعة، ومكتبة بها كتب يقرأ فيها المدرّس قبل الطالب، وفصلٍ جيّد التهوية يتّسع لمائة طالب أحيانًا، وصنبور ماء نقيّ في المدرسة والجامعة، ومرتبٍ يفي باحتياجات المدرّس أو الأستاذ الجامعي وأبنائه من الطلاب، كي يعيش عيشةً كريمةً بعيدةً عن مهانة الذلّ، وأخيرًا مناخٍ حرٍّ عادلٍ يسمح بإبداء الرأي أو التعبير. فكلّ من يُبدي رأيًا، أو يصف قصورًا، أو يشكو قسوةً، فهو كاذبٌ أو متآمرٌ أو مجنون.

          نحن نفتقر إلى الهدف التعليمي القومي الذي يضمن لنا أمن المجتمع والفرد. فكل أهدافنا الآن ليست تعليمية، وتتلخّص في كيفية ملء مدرّجات الجامعات والمدارس الخاصة بالطلاب، ليزداد دخلها ويزداد دخل أصحابها، وفي كيفية خصخصة التعليم في الجامعات الحكومية أو غلقها، لكي يذهب الأساتذة قبل الطلاب إلى الجامعات الخاصة، لزيادة أعداد الطلاب بها وحلّ مشكلة قلّة أعضاء هيئة التدريس في هذه الجامعات. والأولى أن يطبّق القائمون على التعليم مبادئ الجودة على الجامعات الخاصة، فتكون شروط القبول في الجامعة الخاصة هي ذاتها الشروط التي يلتحق بها الطلاب في الجامعة الحكومية. هذه الشروط العادلة هي أساس معايير الجودة، وهي متحقّقة في أمريكا، مهد الجودة ومهبط وحيها.

          هل نستطيع تقييم حجم الخطر على المجتمع عندما لا يستطيع طالبٌ الالتحاقَ بكلية من كليات القمة، مثل كلية الطب، من أجل فارق نصف درجة عن المجموع المطلوب، وفي الوقت نفسه يذهب الطالب الغبي، ابن أبيه الثري، إلى كلية الطب في الجامعة الخاصة بمجموعٍ يقلّ عن مجموع الطالب المتفوّق، ابن أبيه الفقير، بنسبة عشرين في المائة أو أكثر؟ ثم يتخرّج الطالب المتفوّق محطّمًا من كلية أخرى لم يكن يرغب بها، ويتخرّج الطالب الغبي جاهلًا، ولكنه مزهوٌّ بنفسه وبأموال أبيه، من كلية لم تؤهّله قدراته العقلية لها، ليخرّب في الوطن بجهله وحماقته. هذه أمثلة متكرّرة لأبناء الوطن أفسدها نظامٌ تعليميٌّ فارقٌ فاسدٌ، بعيدٌ كلّ البعد عن التربية والتعليم؛ طالبٌ نابهٌ قتل التعليمُ نباهته، وطالبٌ آخر زاد التعليمُ من جهله وغروره، بدلًا من أن يقومه ويثقّفه. ولا نستطيع التنبّؤ بما يمكن أن يحدث في مجتمعٍ غير متّزن، يكون فيه نظام التعليم الفاسد أساسًا لعدم اتزانه.

          إن جودة التعليم، أو النظام المتّبع في تطوير التعليم في مصر – إن سمّيناه نظامًا – هو أداة لهزّ الثقة في المؤسسات التعليمية، في المدرّسين وفي أساتذة الجامعات، وفي قدرة التعليم الحكومي على إصلاح عيوبه، حتى يستقرّ لدى الرأي العام أن هذه المؤسسات هي مؤسسات فاشلة، فيتمّ خصخصتها. وهي نفس الخطة التي تتكرّر كلّ يوم عند بيع مصنع أو شركة منتجة. فتكون الصورة هي الجودة، والهدف هو الخصخصة والتجارة بالعلم والعلماء.

          إصلاح التعليم هو الهدف الأول إن خلصت النوايا، والسبيل إلى ذلك معروف ومضمون – ولن أكون مبالغًا إذا قلت إن إصلاح التعليم ممكن، بل سهل. يمكن أن يتحقّق الإصلاح في غضون سنوات قليلة، بمالٍ مصريٍّ قليل، وبخبرةٍ مصريةٍ خالصة، فلدينا المفكّرون والمثقّفون والخبراء الصادقون الواثقون، وهم على علمٍ تامٍّ بما ينبغي أن يفعلوه ليحقّقوا الإصلاح، ثم الجودة وضماناتها. وهم على وعيٍ تامٍّ بدور التربية في استعادة القيم، ودور العدالة أساسًا للتربية، تربية الطالب والمجتمع. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن هؤلاء مفكّرون مثقّفون وخبراء مخلصون، يحبّون العلم والعمل، ويجيدون التخطيط العلمي والتنفيذي، ويكرهون عدسات التصوير، وضجيج التصفيق والتهليل. من يأتي بهم ومتى؟! سؤال له إجابة: إنهم قادمون لا محالة.

10‏/10‏/2008

لمن تدق الأجراس؟ د. رضا على حسن

 استعير عنوان هذه المقالة من رواية شهيرة لإرنست هيمنجواي، وذلك لتشابه المعنى ولكن المقصد مختلف. أراد هيمنجواى أن ينبه العالم إلى خطورة الحرب وعدم جدواها، فلا المحاربون الذين يكتون بنارها مقتنعون بما يخوضونه من حروب ولا هم متفهمون لسبب قتالهم بعضهم البعض رغم استمرارهم فى القتال. وخراب الحرب بلغ ما بلغ، دون أن تجد من يوقفها إنقاذًا لأرواح الناس.  وبقيت رحى الحرب طاحنة إلى يومنا هذا، وظل المعنى الذى قصده هيمنجواى حبيس السطور، ولم يستوعبه إلا أبطال روايته، وصُم الناس الذين من أجلهم كتب هيمنجواى ما كتب، ليبين لقرائه مقاصده لعلهم يفيقوا من سباتٍ كُتبَ عليهم، أو قد كتبوه هم على أنفسهم.

          قلت إن مقصدي فى هذا المقال مختلف، ولكن المعنى واحد. وكل ما أخشاه أن لا تتاجاوز الأفكار السطور، فيغفل عنها من ندق الأجراس له، فلا ينفعل بها، أو قد تزيده صممًا على صممٍ.        

          وبعد هذه الديباجة- التى لا مفرَّ منها، ألا يجب أن تُدق الأجراس من أجل مشكلة التعليم فى مصر؟ وهي مشكلة ترتفع أهميتها إلى مرتبة الدفاع عن الوطن، ففى حلها دفاعٌ عن الوطن، وفى إهمالها تفريطٌ فيه وفى أهلِه.  فهل يجب أن نكون بصر من لا سمع له، فنُبصِرَه بما عجزت الأجراس أن تُسمِعَه بطنينها، لعل البصر يقوده إلى الغاية التي فشل فيها السمع؟ فهيا نرى سوءة التعليم فى وطننا، قبل أن تزول أبصارُهم، كما زال عنهم سمعُهم.

          كيف تكون الرؤية؟ هل نراه كما يراه مسؤولو التعليم أرقامًا مجردة لطلاب، وأعدادًا لمقاعد وفصول ووسائل؟ أم نراه مجردًا في طالب جامعي، يكون مثالًا واقعيًا لأغلبية تكادُ تكون مطلقة من طلاب الجامعة، أو نراه فى مدرسة، أو جامعة، أو هيئة إداريةٍ تعليمية. وهل نرى التعليم بعين أستاذ بالجامعة، أو أستاذٍ بالتعليم العام، أو مديرٍ لقطاع تعليميّ، كلٌّ يدرك أوجهًا كثيرة من الخلل في موقعه، وكلٌّ يملك الحل، يهمس به حينا في جلسات الأصدقاء، ويحبسه في صدره حينًا، ليزيده همًّا على غمٍّ. أم نراه بعين مفكر، يستمع، ويدرك، ويفكر ثم يقضى بالحل، ويجهر عاليا بما يقول، فيجد آذانًا صمًّا، وعيونًا لا ترى. فينقلب هو الآخر مدحورًا خاسئًا، فكأنه ما سمعَ وما وعى، وما كتب.

          هيا نر موطن العلة بعين الراصد لما يحدث. نراهُ فى طالب جامعي، تخرج منذ حين، هو بالنسبة لنا منتج تعليمي يكاد يكون نهائيًا، تجتمع فيه كل أوجه القصور- أو لكي لا نظلمه، نقول التقصير تقصير أساتذته، بدءا من أستاذه فى التعليم الابتدائي، نهاية بأستاذه الجامعى، وعلى رأسهم مديرو كل مرحلةٍ تعليميةٍ، ثم من فكر وخطط للتعليم.

           أُتيح لصاحبنا هذا أن يتعلم، وفرت له أسرته سبيلًا ميسورًا فى مدرسة  جيدة، ولم تبخل عليه أسرته بالمال لشراء الحلوى عندما كان طفلًا، يُطعَم ويَشرب ويشاهد التلفاز فى سهولة ويسر، مثله مثل أبناء الطبقة الميسورة الحال في المدينة أو القرية. دخل الجامعة، وقضى بها ما قضى من الزمن، مطمئن النفس هادئ البال. وتخرج منها ليبحث له عن عمل، فإن وجده حمد ربه، وإن لم يجده نقم. وإن وجد عملا مطابقا لتخصصه حمد ربه أكثر، ثم فوجئ بأنه غير قادرا على فهم عمله الجديد، لأن ما تعلمه فى حياته العلمية مختلفا تمام الاختلاف عن واقع العمل الفعلي. وبهذا يكون أمامه خياران: أن يكابد ويتعلم مبادئ هذا العمل من جديد على مضضٍ، أو ينعي حظه التعس الذى أوقعه فى هذا العمل. ويدخلُ فى دائرةٍ دار فيها غيره من العاملين، فاكتففوا بأجورِهم أو لم يكتفوا، وقنعوا بعمل وإجراءات لا يفهمونها، ولن يستطيعوا تطويرها، لأنهم لم يعدوا إعدادًا علميا ليرتقوا بأنفسهم وبعملهم وعالمهم، وإن كانت لديهم الرغبة في الرقي، لم يُؤتَوا القدرة على التنفيذ، ولم يَسمح لهم نظام العمل العقيم بذلك. تلك هى صورة واقعية موجزة لمن وجد عملًا تخصص فيه، فما بالك بمن وجد عملًا لم يتخصص فيه، أو من لم يجد عملًا على الإطلاق. هذه هى صورة إيجابية لمن وفرت لهم أسرهم قسطا وافرًا من التعليم، فما بالُنا بمن هم أدنى من ذلك بقليلٍ أو كثيرٍ.

          هيا نقترب أكثر، لنرى عن كثب، ما لم نراه عن بعد. ماذا يدور بعقله، ويجول بخاطره؟ ماذا عن إهتماماته ورغباته ومشاعره؟ كيف يعيش عالمه، وكيف يتصرف فيه؟ باختصار: من هو؟ وماذا أضافت له سته عشر عاما من التعليم؟ هيا نر. تسأله: ما هو هدفك؟ يجيب: أن أُصبح غنيا، مشهورا، أحصل على ما أريد متى أحب. تسأله: ماذا تريد؟ يجيب: أن أهنأ مثلما يهنأُ الآخرين، أسافر، أنطلق، أصاحب، وأستمتع بحياتى، فأنا لست بأقل منهم. تسأله: ما هي اهتماماتك؟ يجيب: مشاهدة التلفاز، والتسامر مع الأصدقاء. تسأله: كيف تعيش يومك؟ يجيب: أسهر مع الرفقة حتى الصباح، وأصحو متأخرًا. تسأله: ألا يوجد شيئ آخر يشغلك غير هذا؟ يجيب: لا، درجنا على ذلك منذ أيام الجامعة. تسأله: كيف كنت تستذكر الدروس؟ يجيب: كنا نحفظها قبل الإمتحان، وننجح! تسأله: ماذا تحب أن تكون؟ يجيب: قلت لك غنيا ومشهورا، ويضرب لك مثلا بمطرب أو لاعب كرة أو ممثل. هل يكفي هذا القدر من الأسئلة؟ بالطبع لا، فهناك أسئلة مثل: لمن تقرأ، أو ما هى وجه نظرك فى موضوع ما، ولكن لا جدوى من الاستمرار في دائرة من الملل، فلا طائل من ورائها. ولكن يبقى أهم الأسئلة بلا إجابة، ويجب أن نوجهه له: كيف تحقق ما تصبوا إليه؟ يجيب: لا أعرف. دائن أم مدين هو ياترى، ظالم لنفسه أم مظلوم هو. كذبَ فى رسم صورة عن نفسه، فأنصفنا وبَرَّئنا من تحمل مسؤولية ما وصل إليه، أو صَدق فى رسمها فأداننا بصدقه، وكذَّبنا فيما أوصلناه إليه.

          هيا نقترب أكثر فأكثر، لنرى بوضوح العوامل التى أدت بصاحبنا إلى ذلك الواقع المؤلم الذي تحدثنا عنه. بالطبع هي عوامل متشابكة كثيرة، أدى تشابكها إلى ضياع معالمها، وصعوبة تتبعها، وبالتالي صعوبة حل عقدها. ولنأخذ يوما تعليميًا من حياة هذا الطالب، ليكون مثالًا واقعيًا لتشابك هذه العوامل. وليكن اختيارنا ليوم من تعليمه العام، ويوم آخر من تعليمه الجامعى. يذهب صاحبنا إلى مدرسته الابتدائية مُثقلًا بحقيبته التي يملؤها الورق، ومُثقلًا بهموم استرجاع ما فيها من دروس في ليلته الماضية. يُنهكه طابور الذنب الصباحي كأنه يوم حشر، يتناوب عليه مُدرسوه بأوامر لتنفيذ بعض التمارين الرياضية التي لا يفقه لها معنى، ولا يفهم منها إلا أمرا بفعل. يدخل فصله حيث يتناوب عليه المدرسون واحدا تلو الآخر، يقرؤون له ما فى الورق، ويأمرونه بالحفظ وينهونه عن اللهو والتفكير. يدمرون عقله ويوجعون بدنه، ويعدونه أن يكون آمرًا ناهيًا إذا امتلك الأمر، خائفًا مُستجيبًا عندما لا يملك منه شيئا! يعلمه أساتذته أن العلم حفظ وطاعة، ويقتلون فيه كل تساؤل وتفكير. ولن أتحدث عن علوم مثل التربية الفنية والموسيقية والرياضية ينبغى لها أن ترقى بحسه وبدنه، أهملوها لأن الجهاز التعليميّ اعتبرها فى ذيل القائمة، لأنها فنون غير مكتوبة تخالف طبيعة ما فى الورق، يصعب تلقينها واسترجاعها، فكل شيءٍ لديهم هو حبر على ورق.

          لم يختلف الأمر كثيرا، عندما نختار يوما فى حياة طالب جامعي. يستمر مسلسل الحفظ والتلقين، وإبطال العقل والتفكير. حيث تُستَبدَل الفوضى المنظمة فى مراحل التعليم الأولى بفوضى لا تكاد تعلم لها شكلا ثابتا. وكل يوم يمر في الجامعة تزداد فيه الفوضى وتتشابك خيوطها وتتنوع أشكالها. والعنصر الثابت فى هذه الفوضى هى المعوقات الإدارية والتعليمية، وتختلف أشكال هذه المعوقات ليتثبت جوهرها يوما بعد يوم. ولا يوجد حلول تقدمها الجامعة من داخلها، وهى الأدرى بمشاكلها: مثل زيادة الأعداد، وعدم الالتزام بالمحاضرات لعدم وجود الأماكن، وضعف المناهج الدراسية، وضعف مستوى الدارس والمدرس، فضلا عن عدم الانضباط، وضعف التنظيم العام، وعدم التفرغ للعملية التعليمية. وهي مشاكل يمكن حلها بسهولة إذا أخلصنا النية والعمل وابتعدنا عن الحلول المستوردة مثل جودة التعليم وتطويره!     

          ونخلُصُ من الأمثلة السابقة إلى أن الطالب في كل مراحل تعليمه أصبح هدفا لمنظومة مركبة تزدادُ خطأً يوما بعد يوم. تعلمه هذه المنظومة المدمرة درسًا بالمدرسة، لينسى دروسًا فطره الله بها. يعلمه أستاذه أن يحفظ درسه، ونسي أن يقول له لماذا يحفظه، وماذا سيفعل به.  علمه أستاذه أن يحفظ ما يجد، وأنساه أن يعيَ ما يحفظ. تعلم لفظة نعم، ونسي ألفاظًا خلقه الله ليسأل بها، مثل لماذا وكيف. أخضعه معلمه لما يرغب، ولم يعلمه أن يُخضِع نفسه لما يرغب. قال له إقرأ، ولم يقل له فكر فيما تقرأ. قال له افعل، ولم يعلمه كيف يختار ما يفعل. علمه حروفا أنساه بها عقله وحريته. علمه حروفا ليكتب بها واجباته، ولم يعلمه كيف يطلب بها حقه. وأصبح كما ترى، يحمل أسفارا، لا يكاد يتذكر ما فيها، تُكبّله بحملها، وتُحمّله ما لا طاقة له به. وقَنِعَ معلموه بما فعلوا، فرضى منهم من رضى وبات هنيئ البال، ورفض منهم من رفض واكتدر، وأوى إلى فراشه قائلا: لن يحاسبنى الله على ما أفعل، فالأمر ليس بيدي. فمن يا تُرى يقع عليه وزر التقصير، أظن أنها إجابة يعرفها جيدًا كلُّ من قنع ومن رفض.

          ننتقل إلى من بيدهم الأمر. هل ملكوا أمرهم، أم ملكهم؟ أكثر الظن أنهم شاهدوا ما شاهدنا، وانفعلوا بما انفعلنا به. وعلِموا تمام العلم أن مشكلةَ التعليم فى مصر مشكلةٌ مُركبةٌ، تبدأ بغياب الهدف التعليمي والتربوي، وما يتبعه من عشوائية فى التخطيط، ثم مشكلات أخرى تنتج بدورها عن غياب الهدف، كمشاكل زيادة الأعداد، وقلة الإعداد والعتاد! فراحوا يحملون القصور كله على زيادة الأعداد وقلة الإمكانيات، ولم يعترفوا أصلا بغياب التخطيط. وراحوا يعقدون المؤتمرات، ويكتبون وصفات علاجية مستوردة لتحديث التعليم، وجرّبوا، ثم أعادوا التجريب المرة تلو الأخرى، وسألوا عن المريض وابتسموا له فقط، ولم يسألوه كيف مرض، وما هو مرضه. فزاد مرض المريض وتضخمت مشاكله، وأشرف الآن على الهلاك، إن لم يكن قد هلك. مع أن العلاجَ ممكن، إذا وُجد الطبيب الماهر، الذي يستمع إلى شكوى مريضه بعناية، بل ويساعده أن يشكوَ جيدًا، ليصف له العلاج الناجع.

          والمريض هنا هو الطالب الذي تحدثنا عنه، ومن يُعلمه ومن يُدير له تعليمه. المريض هو ذات الهدف، والمشكلةُ إنسانية مَحضة، وهى ليست مشكلة تحديث الإمكانيات التعليمية كما يحلو لهم أن يصوروها. الطالب هو هدف التعليم الأول، والتعليم هدفُهُ تربيةُ العقل والضمير والرقى بهما معا، من أجل تطوير المجتمع، وأدواتنا لذلك هى المدرس، والمدير، والمفكر، والمشرع. ثم يأتى بعد ذلك كله، أو من أجله،  بناء المدرسة، وشراء السبور، والمقعد.     

          والحل لابد أن يكونَ مصريا، لأن الهدف هو المتعلم المصري، الذي يعيش في مصر، والذي يعمل فيها، يرقى بها إن أفلحَ، ويهوى بها إن أخطأَ. والهدف هو رقي المتعلم أولًا، ففى رقيه رقيٌ لوطنه. وليس الهدف هو جلب خطط وإمكانات من الغرب تتناسب وأهلها هناك، ولا تناسبنا. وتظل الإمكانات حبيسة العلب، أو تستخدم فى غير محلها، وتظل الخطط حبيسة رأس من جلبها إلينا. وحُلولُنا لابد أن تكون مصريةَ المنشأ، يخطط لحلها عقل وضمير مصري واعِ، قادر على تنفيذ ما يُخطط له، ويعالجها أطباء جراحون مصريون مهرة، قادرون على إستئصال الخبيث من البدن دفعةً واحدةً من غير تجريبٍ، فجسم المريض أصبح غير قادرٍ على التجريب.

          فهل يستحقُ التعليمُ، بعد هذا الصورة التى رسمناها، أن ندق له الأجراس؟ وهل يَحقُ للذين ندق لهم الأجراس أن يتمادَوا فى غفلتهم عنها. لهم تدق الأجراس! ولنا حصادُ غفلتِهم.

ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالم...