18‏/04‏/2009

قصة مُفبركة د. رضا على حسن

 يحكى أن طبيبا ثريا ملأت شهرته الآفاق، كان طفله يعاني من مرض فتاك، وكان هذا الطبيب متخصصا فى علاج هذا المرض، ولكن كلما تراوده فكرة علاج ابنه، يحجم عن علاجه رغم إلحاح أفراد أسرته كثيرا، كي يكتب لأبنه الدواء عسى أن يكون فيه الشفاء. وفى نفس الوقت يمنع الطبيب زوجته من أن تعرض ابنه على طبيب آخر مخافة أن يقول الناس قد عجز الأب المشهور عن علاج ابنه، بينما نجح طبيب آخر فى علاجه.  وقد حار الأهل والأصدقاء فى أمر هذا الطبيب، فهو يتألم غاية الألم لمرض ولده، وفى نفس الوقت لايقدم على وصف الدواء له، ولا يريد له علاجا عند طبيب آخر. وأصبح هذا الأمر حديث الناس، وصاحبنا على حاله مصرا على موقفه الغريب. ومن شدة معاناة الطبيب النفسية، باح بالسر إلى أقرب أصدقاءه عندما فاتحه هذا الصديق فى موضوع العلاج، وعرض عليه أن يقوم هو بعرضه على أطباء آخرين رحمة بالطفل، طالما أن أباه، الطبيب المشهور، عاجز عن علاجه. فكشف الأب لصاحبه عن نفسه، فهو لايثق فى نفسه كطبيب يستطيع أن يقدم العلاج لابنه، ويخاف كل الخوف أن يفشل فى وصف الدواء فيموت ابنه، ويعيش باقى عمره يتجرع مرارة الفشل والندم. قال له صاحبه كيف هذا وأنت طبيب مشهور وأنت صاحب مستشفى من أكبر المستشفيات فى البلاد. فاندهش الصديق عندما استمع الى إجابة الطبيب، قال الطبيب لقد ورثت هذه المستشفى عن أبى، الطبيب أستاذ الجامعة، كما ورثت عنه منصبى كأستاذ جامعى أيضا، وشهرة المستشفى لا ترجع لكفائتى كطبيب، بل يرجع الفضل لمن يعمل معى من أطباء وجيش من الإعلاميين الذين يروجون للمستشفى ويجملون صورتها. ولكنني لست كفئا لعلاج ولدى، فلقد بدل أبى درجاتى الراسبة عندما كنت طالبا عنده فى كلية الطب بدرجات عالية كى يتم تعينى فى درجة معيد وأرث منه المنصب والمستشفى والشهره وكل شيئ، وعاونه على ذلك زملائه المنافقون، فأنت تعلم منصب أبى فى تلك الجامعة. وعُينت معيدا بالفعل، بعد أن رفعتنى درجاتى فوق من يستحقونها من الطلاب المتفوقين المظلومين، فأخذت مكانا ليس لي، وورثت مهنه لا أستحقها ولا أجيدها. وجاء امتحان ربي لي فى تخصصى وفى فلذة كبدى، فلا استطعت أن أُقدم له الدواء، ولا استطعت أن أعرضه على طبيب آخر، خشية أن يفتضح أمرى وأنا الطبيب المشهور ملء السمع والبصر. ولقد أعطانى أبى ما لا أستحق بجرة قلم أسود رفع بها درجاتى فرفعتنى إلى أعلى الدرجات، وها أنا أرى حساب الله لأبى في نفسي وفي حفيده!  انتهت القصة شديدة الشبه بأفلام تصنعها الهند!

          وبدأت قصص شعبية أخرى يرويها كل الناس لمواساة طالب متفوق حرم من مكانة تُناسب درجة تفوقه، فاحتلها آخرون كل مؤهلاتهم أنهم أبناء آبائهم، أو موظف فى مصلحة ما، يستحق منصبا متميزا نظرا لكفائته ونزاهته، فذهب المنصب إلى من لا يستحق من أبناء الأقارب أو أبناء المال، أو مسكين يتقدم لوظيفة يستحقها ويحتاجها لكي يعول بها نفسه وأهله، فتذهب لأولى القربى وأصحاب النفوذ. وهكذا كانت تروى القصة لمواساة هؤلاء المظلومين، كي يرضوا بحالهم، ويقنعوا بما قسمه الله لهم. والقناعة دائما هى الحل، وبعدها يأتى الحمد على دوام الحال والصحة. ويتناسى المظلوم ظلمه وظالمه، ويعود له توازنه النفسي وراحة البال، بعد شعور مرير بالظلم، ووأد بغيض لهِمَّةٍ وطموح. وينسى هؤلاء المظلومون أن القصة الشعبية مفبركة - بل تبدو أسطورية-  لجلب الراحة النفسية ليس إلا، ففيها موقف مأساوى مـتأزم، وفيها اعتراف بالخطأ، وندم على فعل قبيح، وعقاب إلهي في دنيا تميزت بأنها خلت من كل عقاب لمن له ظهر يحميه. وينسى الناس أيضا أنا الواقع يخالف ماجاء فى القصة، حتى لو كانت صحيحة، فهناك نقود تذهب بحاملها إلى أي مكان للعلاج، وتعود به بإذن الله شافيا معافى!

          هكذا هو الحال دائما مع "الواسطة"، داء أسطوري أصاب المجتمع المصري منذ عهد فرعون، تكون ضحاياه من غير الأقارب، أو من ليس لهم مال. ويكون العلاج دائما دواء يصنعه المظلوم بنفسه، ويتجرعه وهو يعلم أنه علاج غير مفيد، لن يعيد له ما ذهب، ولن يقويه كي يجلب له حق قد ضاع. فدواء البائس هو وهم الشفاء، ثم قناعة، وحمد، وسكينة. كان المصري القديم لايحتمل بطش كهنة فرعون، وكان ينتج القصص المفبركة لكى يقنع بها، لتكون مبررا لبقائه مرفوع الرأس، ففى قناعته رضاء الآلهة التى قدرت الأقدار. وحقيقة الأمر هو الخوف من الكهنة وأصحاب النفوذ، وليس الرضا بالقضاء والقدر والقناعة بالقليل. وذهب عصر الفراعين، وجاء عصر الملوك من الرومان، والملوك من العرب، والملوك من العثمانيون ومن المماليك، والضباط، وظلت الحَظْوَة لأُولي القربى، وأُولي المال، وراجت القصص والملاحم الشعبية لبطولات وهمية، كانت عدالة السماء هى القاسم المشترك فى كل منها. ولم تفلح هذه القصص الشعبية في استئصال داء الوساطة، ولم تقترح حلولا عملية ترد بها الحقوق الى أهلها. ولم يتغير الحال عبر العصور بل زادت الوساطة وتأصلت جذورها، وأصبحت الآن شيئا مقبولا لدى العامة. وفى قبول العامة تكونت مبادئ المجتمع الجديدة "الوساطة والمحسوبية وشراء المناصب والذمم بالمال والنساء". وتلاشت القصص الشعبية التى كانت تمثل حدا أدنى من المقاومة السلبية للوساطة والمحسوبية، والتى كان فى شيوعها إعلانا مقنعا عن الرفض لتلك المبادئ الفاسدة. بل تفاقم الوضع إلى الفخر بالوساطة، والتفاخر بقدرة المال والنفوذ على شراء الذمم. وسأم الناس قصص الرفض المقنعة لعدم جدواها، وأصبحوا يسخرون منها، وينعتونها بالهندية، نسبة للأفلام الهندية التى مازالت تتمسك بإظهار عدالة السماء فى دنيا الأرض، رغم قصور منطق هذه القصص بمدلولاتها الأسطورية.

          واستقر الحال على قبول المبادئ الفاسدة، والعمل بها كآليات مجتمعية بديلة عن النظالم الحقوقي الصحيح. وقد قبلها العاملون بها وأصبحت نوطا للشرف والأبهة الإجتماعية حتى أعتلت عبارة  "انت مش عارف انت بتكلم مين" عرش الوجاهة الاجتماعية.  وتقبلها المتظلمون منها أمرا واقعا، بل أخذ المظلوم يبحث له عن وساطة ترفعه إلى ما كان يرفعه له جهده وعمله، قبولا منه لذات المبادئ التى حرمته من حق كان له! وغَدَا يردد هو الآخر عبارة الوجهاء، لعله يفلح أن يكون واحدًا، منهم ولو لم تكن له وجاهة من واسطة أو مال، يجربها ربما يأخذ بها حقه المسلوب. وضاعت وجاهة المجتمع الحقيقية، عندما ردد كل منهم تلك العبارة، ورد كل واحد منهم على الآخر بعبارة مضادة  "تطلع مين انت يابن الـ...." وسقط الجميع في بئر الوجاهة الزائفة، ظالمُ ومظلومُ!

          الأمر أبعد من ذلك بكثير، فإرساء المبادئ الفاسدة الجديدة قيمًا اجتماعية للترقى والوصول إلى درجات عالية هوى بالوطن إلى قاع بئر عميقة، كلما حاول أحد الخروج منها انزلقت قدماه بفعل طحالب الوساطة الآسنة على جدران البئر. وحدها الطحالب هى القادرة على تجاوز القاع إلى فوهة البئر لتستنشق الهواء المنعش، ولكنه هواء لايفيدها ولايقويها لأنها لازالت طحالب ضعيفة بحكم تكوينها، فمهما علا شأنها لن تغير من طبيعتها الطحلبية، كل ماتستطيعه هو التكاثر كى تحمى نفسها بكثرتها، وتسد منافذ الهواء عن غيرها. وكذلك انتشرت الوساطة وتفشت، فى دواوين الدولة وهيئاتها المختلفة، حتى تعاقبت الأجيال الطحلبية ضعيفة التكوين على رأس كل قائمة وقاعدة. وهربت الخبرات والعقول الحقيقة إلى الخارج، أو انغلقت على نفسها فى الداخل تتجرع مرارة فشل قهرى فرضته ظروف قهرية مقيتة.

          وفى هذا الصدد، لاتزالُ قصةٌ حقيقةُ لبائع كُتب قديمة فى وسط المدينة تراودنى كل حين، لتذكرنى بطعم مرارة الفشل القهرى. كنت سَائرًا في طريقي، فجذبني منظر الكتب القديمة المصفوفة بعناية على الرصيف، ولم أستطع مقاومة عادة شراء الكتب القديمة، فهى عادة قديمة لي تريح النفس، لأنها تُذَكِرُني ببعض ماض جميل. وجمعت بعضها، وطلبت من البائع شرائها، فكان رده لي مدهشا: خذها يا سيدي بلا ثمن، فليس لها ثمن عندى، وكان شكله جادًا، كأنه يعنى ما يقول. وأَتبع قائلًا، مُفصحًا عن سببٍ زاد دهشتى: انظر ياسيدى إلى هذا الشاب الذى تملأ صوره العملاقة كل مكان فى الشارع، إنه مطرب مشهور فشل فى دراسته، يطرب الناس بجسده لا بصوته، وهو مُتهرب من أداء الخدمة العسكرية، وها هي صوره تملأ الطريق! وأنا خريج كلية عريقة والأول على دفعتى، بل الأول على كل كليات الجامعة، بحكم درجاتى فى ذلك العام، أجلس على قارعة الطريق، أبيع كتب والدي القديمة التى قرأها لي وأنا صغير، فصرت الأول على جامعتي، وأول من يجلس على قارعة هذا الطريق! هكذا قال فى مرارة، ثم أضاف: لم أعين معيدا فى جامعتى رغم أمس احتياجهم لتلك الوظيفة، إنهم كانوا يدخرونها لابن واحد منهم، لم يتخرج بعد، وهو الآن عميد مشهور بالجامعة رغم ما عرفناه من تدنى مستواه العلمي وقصور فهمه وإدراكه. فوجدت نفسي ألجأأ إلى الحيل الأسطورية القديمة، وأواسيه بقصة لا أؤمن بها، ولا مفر من اللجوء إليها كي أخفف عنه ألمه وألمى. وكان مُصرًا على إهدائي ما اخترته من كتب، ربما لأنه تلمس فى قسمات وجهي تعاطفا واهتماما بحالته، فباح لى بما يؤلمه. وزاد أصراره من أصراري على دفع ثمن ما أخذت، وجدتنى أقول له، هذه الكتب القديمة فعلا بلا ثمن يقدر، وثمنها رمزى عندي وعندك، لعلك بهذا الثمن الرمزي تتذكرني وأتذكرك في عالم سماوي آخر عادل، يكون فيه الشاب المتهرب وراء القضبان، تشمئذ منه الجرذان، ويجلس فيه العميد في حلقة درسك، كي يتعلم من جديد. فضحك وضحكت، وانصرفت إلى شأني مهموما بما سمعت، وتركته لشأنه يتنسم من المارة ما يبدد عنه وحدته فى عالم قاس ظالم.

          هى قصة حقيقة إذا، هوت بمن يستحق الى بئر اليأس، ورفعت من لا يستحق إلى فوهة البئر. وهكذا يكون الحال مع كل متفوق يستحق ثمرة جهد بذله، ويالها من ثمرة مرة، وياله من جهد ضائع!

          قصة مفبركة تقابلها أخرى حقيقية، طبيب رفعته القرابة لما لا يستحق، يعجز عن وصف العلاج، وبائع أخطأته الأيام، يعرض كتبه بلا ثمن لمن يفهمها. واحدٌ أخذ كل شيءٍ، ولا يعطى، وآخر ضاع منه كل شيء ويهب! هكذا هي إرادة الله، عجزُ لمن أخذ بغير حق، وحريةُ لمن ضاع منه كل الحق. توازن عادل دقيق، في باطنه الرحمة والعدل، وفى ظاهرة الظلم والطغيان. وكذلك يكون الحال مع أستاذ وصل بنسبه أو ماله إلى ما لايستحق، فهو يخشى فى قرارة نفسه مواجهة طلابه من المتفوقين، وهو يؤكد على أخطاءه ولا يصححها كلما وقع فيها، حماية لماء وجهه، وخشية افتضاح أمره، كما فعل الطبيب المزيف، أو مزيف آخر مسؤول في إحدى هيئات الدولة، يحمى قراراته الخاطئة بأخرى خاطئة ويتعصب لرأيه الخاطئ، وهو مصر على خطئه، كي يبدو على حق. وهكذا يتمادى الجميع فى الخطأ، فى أصرار يفضح نفسه حتى ضاعت الحرفه والخبرة، وتخبطت الخطة، وانحط الهدف، فضاعت الهيبة، وزادت الخيبة. والقصة فى الأصل مفبركة، وكل قصة مفبركة يقابلها أخرى حقيقية، في توازن إلهي عادل دقيق، وإن كان يوم الحساب لبعيد.

نشرت في دنيا الوطن في 2009-04-18     

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2009/04/18/162664.html   

x

ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالم...