قلت إن مقصدي فى هذا المقال مختلف، ولكن المعنى واحد. وكل ما أخشاه أن لا تتاجاوز الأفكار السطور، فيغفل عنها من ندق الأجراس له، فلا ينفعل بها، أو قد تزيده صممًا على صممٍ.
وبعد هذه الديباجة- التى لا مفرَّ منها، ألا يجب أن تُدق الأجراس من أجل مشكلة التعليم فى مصر؟ وهي مشكلة ترتفع أهميتها إلى مرتبة الدفاع عن الوطن، ففى حلها دفاعٌ عن الوطن، وفى إهمالها تفريطٌ فيه وفى أهلِه. فهل يجب أن نكون بصر من لا سمع له، فنُبصِرَه بما عجزت الأجراس أن تُسمِعَه بطنينها، لعل البصر يقوده إلى الغاية التي فشل فيها السمع؟ فهيا نرى سوءة التعليم فى وطننا، قبل أن تزول أبصارُهم، كما زال عنهم سمعُهم.
كيف تكون الرؤية؟ هل نراه كما يراه مسؤولو التعليم أرقامًا مجردة لطلاب، وأعدادًا لمقاعد وفصول ووسائل؟ أم نراه مجردًا في طالب جامعي، يكون مثالًا واقعيًا لأغلبية تكادُ تكون مطلقة من طلاب الجامعة، أو نراه فى مدرسة، أو جامعة، أو هيئة إداريةٍ تعليمية. وهل نرى التعليم بعين أستاذ بالجامعة، أو أستاذٍ بالتعليم العام، أو مديرٍ لقطاع تعليميّ، كلٌّ يدرك أوجهًا كثيرة من الخلل في موقعه، وكلٌّ يملك الحل، يهمس به حينا في جلسات الأصدقاء، ويحبسه في صدره حينًا، ليزيده همًّا على غمٍّ. أم نراه بعين مفكر، يستمع، ويدرك، ويفكر ثم يقضى بالحل، ويجهر عاليا بما يقول، فيجد آذانًا صمًّا، وعيونًا لا ترى. فينقلب هو الآخر مدحورًا خاسئًا، فكأنه ما سمعَ وما وعى، وما كتب.
هيا نر موطن العلة بعين الراصد لما يحدث. نراهُ فى طالب جامعي، تخرج منذ حين، هو بالنسبة لنا منتج تعليمي يكاد يكون نهائيًا، تجتمع فيه كل أوجه القصور- أو لكي لا نظلمه، نقول التقصير تقصير أساتذته، بدءا من أستاذه فى التعليم الابتدائي، نهاية بأستاذه الجامعى، وعلى رأسهم مديرو كل مرحلةٍ تعليميةٍ، ثم من فكر وخطط للتعليم.
أُتيح لصاحبنا هذا أن يتعلم، وفرت له أسرته سبيلًا ميسورًا فى مدرسة جيدة، ولم تبخل عليه أسرته بالمال لشراء الحلوى عندما كان طفلًا، يُطعَم ويَشرب ويشاهد التلفاز فى سهولة ويسر، مثله مثل أبناء الطبقة الميسورة الحال في المدينة أو القرية. دخل الجامعة، وقضى بها ما قضى من الزمن، مطمئن النفس هادئ البال. وتخرج منها ليبحث له عن عمل، فإن وجده حمد ربه، وإن لم يجده نقم. وإن وجد عملا مطابقا لتخصصه حمد ربه أكثر، ثم فوجئ بأنه غير قادرا على فهم عمله الجديد، لأن ما تعلمه فى حياته العلمية مختلفا تمام الاختلاف عن واقع العمل الفعلي. وبهذا يكون أمامه خياران: أن يكابد ويتعلم مبادئ هذا العمل من جديد على مضضٍ، أو ينعي حظه التعس الذى أوقعه فى هذا العمل. ويدخلُ فى دائرةٍ دار فيها غيره من العاملين، فاكتففوا بأجورِهم أو لم يكتفوا، وقنعوا بعمل وإجراءات لا يفهمونها، ولن يستطيعوا تطويرها، لأنهم لم يعدوا إعدادًا علميا ليرتقوا بأنفسهم وبعملهم وعالمهم، وإن كانت لديهم الرغبة في الرقي، لم يُؤتَوا القدرة على التنفيذ، ولم يَسمح لهم نظام العمل العقيم بذلك. تلك هى صورة واقعية موجزة لمن وجد عملًا تخصص فيه، فما بالك بمن وجد عملًا لم يتخصص فيه، أو من لم يجد عملًا على الإطلاق. هذه هى صورة إيجابية لمن وفرت لهم أسرهم قسطا وافرًا من التعليم، فما بالُنا بمن هم أدنى من ذلك بقليلٍ أو كثيرٍ.
هيا نقترب أكثر، لنرى عن كثب، ما لم نراه عن بعد. ماذا يدور بعقله، ويجول بخاطره؟ ماذا عن إهتماماته ورغباته ومشاعره؟ كيف يعيش عالمه، وكيف يتصرف فيه؟ باختصار: من هو؟ وماذا أضافت له سته عشر عاما من التعليم؟ هيا نر. تسأله: ما هو هدفك؟ يجيب: أن أُصبح غنيا، مشهورا، أحصل على ما أريد متى أحب. تسأله: ماذا تريد؟ يجيب: أن أهنأ مثلما يهنأُ الآخرين، أسافر، أنطلق، أصاحب، وأستمتع بحياتى، فأنا لست بأقل منهم. تسأله: ما هي اهتماماتك؟ يجيب: مشاهدة التلفاز، والتسامر مع الأصدقاء. تسأله: كيف تعيش يومك؟ يجيب: أسهر مع الرفقة حتى الصباح، وأصحو متأخرًا. تسأله: ألا يوجد شيئ آخر يشغلك غير هذا؟ يجيب: لا، درجنا على ذلك منذ أيام الجامعة. تسأله: كيف كنت تستذكر الدروس؟ يجيب: كنا نحفظها قبل الإمتحان، وننجح! تسأله: ماذا تحب أن تكون؟ يجيب: قلت لك غنيا ومشهورا، ويضرب لك مثلا بمطرب أو لاعب كرة أو ممثل. هل يكفي هذا القدر من الأسئلة؟ بالطبع لا، فهناك أسئلة مثل: لمن تقرأ، أو ما هى وجه نظرك فى موضوع ما، ولكن لا جدوى من الاستمرار في دائرة من الملل، فلا طائل من ورائها. ولكن يبقى أهم الأسئلة بلا إجابة، ويجب أن نوجهه له: كيف تحقق ما تصبوا إليه؟ يجيب: لا أعرف. دائن أم مدين هو ياترى، ظالم لنفسه أم مظلوم هو. كذبَ فى رسم صورة عن نفسه، فأنصفنا وبَرَّئنا من تحمل مسؤولية ما وصل إليه، أو صَدق فى رسمها فأداننا بصدقه، وكذَّبنا فيما أوصلناه إليه.
هيا نقترب أكثر فأكثر، لنرى بوضوح العوامل التى أدت بصاحبنا إلى ذلك الواقع المؤلم الذي تحدثنا عنه. بالطبع هي عوامل متشابكة كثيرة، أدى تشابكها إلى ضياع معالمها، وصعوبة تتبعها، وبالتالي صعوبة حل عقدها. ولنأخذ يوما تعليميًا من حياة هذا الطالب، ليكون مثالًا واقعيًا لتشابك هذه العوامل. وليكن اختيارنا ليوم من تعليمه العام، ويوم آخر من تعليمه الجامعى. يذهب صاحبنا إلى مدرسته الابتدائية مُثقلًا بحقيبته التي يملؤها الورق، ومُثقلًا بهموم استرجاع ما فيها من دروس في ليلته الماضية. يُنهكه طابور الذنب الصباحي كأنه يوم حشر، يتناوب عليه مُدرسوه بأوامر لتنفيذ بعض التمارين الرياضية التي لا يفقه لها معنى، ولا يفهم منها إلا أمرا بفعل. يدخل فصله حيث يتناوب عليه المدرسون واحدا تلو الآخر، يقرؤون له ما فى الورق، ويأمرونه بالحفظ وينهونه عن اللهو والتفكير. يدمرون عقله ويوجعون بدنه، ويعدونه أن يكون آمرًا ناهيًا إذا امتلك الأمر، خائفًا مُستجيبًا عندما لا يملك منه شيئا! يعلمه أساتذته أن العلم حفظ وطاعة، ويقتلون فيه كل تساؤل وتفكير. ولن أتحدث عن علوم مثل التربية الفنية والموسيقية والرياضية ينبغى لها أن ترقى بحسه وبدنه، أهملوها لأن الجهاز التعليميّ اعتبرها فى ذيل القائمة، لأنها فنون غير مكتوبة تخالف طبيعة ما فى الورق، يصعب تلقينها واسترجاعها، فكل شيءٍ لديهم هو حبر على ورق.
لم يختلف الأمر كثيرا، عندما نختار يوما فى حياة طالب جامعي. يستمر مسلسل الحفظ والتلقين، وإبطال العقل والتفكير. حيث تُستَبدَل الفوضى المنظمة فى مراحل التعليم الأولى بفوضى لا تكاد تعلم لها شكلا ثابتا. وكل يوم يمر في الجامعة تزداد فيه الفوضى وتتشابك خيوطها وتتنوع أشكالها. والعنصر الثابت فى هذه الفوضى هى المعوقات الإدارية والتعليمية، وتختلف أشكال هذه المعوقات ليتثبت جوهرها يوما بعد يوم. ولا يوجد حلول تقدمها الجامعة من داخلها، وهى الأدرى بمشاكلها: مثل زيادة الأعداد، وعدم الالتزام بالمحاضرات لعدم وجود الأماكن، وضعف المناهج الدراسية، وضعف مستوى الدارس والمدرس، فضلا عن عدم الانضباط، وضعف التنظيم العام، وعدم التفرغ للعملية التعليمية. وهي مشاكل يمكن حلها بسهولة إذا أخلصنا النية والعمل وابتعدنا عن الحلول المستوردة مثل جودة التعليم وتطويره!
ونخلُصُ من الأمثلة السابقة إلى أن الطالب في كل مراحل تعليمه أصبح هدفا لمنظومة مركبة تزدادُ خطأً يوما بعد يوم. تعلمه هذه المنظومة المدمرة درسًا بالمدرسة، لينسى دروسًا فطره الله بها. يعلمه أستاذه أن يحفظ درسه، ونسي أن يقول له لماذا يحفظه، وماذا سيفعل به. علمه أستاذه أن يحفظ ما يجد، وأنساه أن يعيَ ما يحفظ. تعلم لفظة نعم، ونسي ألفاظًا خلقه الله ليسأل بها، مثل لماذا وكيف. أخضعه معلمه لما يرغب، ولم يعلمه أن يُخضِع نفسه لما يرغب. قال له إقرأ، ولم يقل له فكر فيما تقرأ. قال له افعل، ولم يعلمه كيف يختار ما يفعل. علمه حروفا أنساه بها عقله وحريته. علمه حروفا ليكتب بها واجباته، ولم يعلمه كيف يطلب بها حقه. وأصبح كما ترى، يحمل أسفارا، لا يكاد يتذكر ما فيها، تُكبّله بحملها، وتُحمّله ما لا طاقة له به. وقَنِعَ معلموه بما فعلوا، فرضى منهم من رضى وبات هنيئ البال، ورفض منهم من رفض واكتدر، وأوى إلى فراشه قائلا: لن يحاسبنى الله على ما أفعل، فالأمر ليس بيدي. فمن يا تُرى يقع عليه وزر التقصير، أظن أنها إجابة يعرفها جيدًا كلُّ من قنع ومن رفض.
ننتقل إلى من بيدهم الأمر. هل ملكوا أمرهم، أم ملكهم؟ أكثر الظن أنهم شاهدوا ما شاهدنا، وانفعلوا بما انفعلنا به. وعلِموا تمام العلم أن مشكلةَ التعليم فى مصر مشكلةٌ مُركبةٌ، تبدأ بغياب الهدف التعليمي والتربوي، وما يتبعه من عشوائية فى التخطيط، ثم مشكلات أخرى تنتج بدورها عن غياب الهدف، كمشاكل زيادة الأعداد، وقلة الإعداد والعتاد! فراحوا يحملون القصور كله على زيادة الأعداد وقلة الإمكانيات، ولم يعترفوا أصلا بغياب التخطيط. وراحوا يعقدون المؤتمرات، ويكتبون وصفات علاجية مستوردة لتحديث التعليم، وجرّبوا، ثم أعادوا التجريب المرة تلو الأخرى، وسألوا عن المريض وابتسموا له فقط، ولم يسألوه كيف مرض، وما هو مرضه. فزاد مرض المريض وتضخمت مشاكله، وأشرف الآن على الهلاك، إن لم يكن قد هلك. مع أن العلاجَ ممكن، إذا وُجد الطبيب الماهر، الذي يستمع إلى شكوى مريضه بعناية، بل ويساعده أن يشكوَ جيدًا، ليصف له العلاج الناجع.
والمريض هنا هو الطالب الذي تحدثنا عنه، ومن يُعلمه ومن يُدير له تعليمه. المريض هو ذات الهدف، والمشكلةُ إنسانية مَحضة، وهى ليست مشكلة تحديث الإمكانيات التعليمية كما يحلو لهم أن يصوروها. الطالب هو هدف التعليم الأول، والتعليم هدفُهُ تربيةُ العقل والضمير والرقى بهما معا، من أجل تطوير المجتمع، وأدواتنا لذلك هى المدرس، والمدير، والمفكر، والمشرع. ثم يأتى بعد ذلك كله، أو من أجله، بناء المدرسة، وشراء السبور، والمقعد.
والحل لابد أن يكونَ مصريا، لأن الهدف هو المتعلم المصري، الذي يعيش في مصر، والذي يعمل فيها، يرقى بها إن أفلحَ، ويهوى بها إن أخطأَ. والهدف هو رقي المتعلم أولًا، ففى رقيه رقيٌ لوطنه. وليس الهدف هو جلب خطط وإمكانات من الغرب تتناسب وأهلها هناك، ولا تناسبنا. وتظل الإمكانات حبيسة العلب، أو تستخدم فى غير محلها، وتظل الخطط حبيسة رأس من جلبها إلينا. وحُلولُنا لابد أن تكون مصريةَ المنشأ، يخطط لحلها عقل وضمير مصري واعِ، قادر على تنفيذ ما يُخطط له، ويعالجها أطباء جراحون مصريون مهرة، قادرون على إستئصال الخبيث من البدن دفعةً واحدةً من غير تجريبٍ، فجسم المريض أصبح غير قادرٍ على التجريب.
فهل يستحقُ التعليمُ، بعد هذا الصورة التى رسمناها، أن ندق له الأجراس؟ وهل يَحقُ للذين ندق لهم الأجراس أن يتمادَوا فى غفلتهم عنها. لهم تدق الأجراس! ولنا حصادُ غفلتِهم.
