13‏/05‏/2010

أخلاق بلا دين ! د. رضا على حسن

مقرر دراسي جديد أطلقوا عليه "لأخلاق" جنباً إلى جنب مع مادة الدين، هكذا قرأت في الصحيفة ذات صباح. تذكرت حينها "أرض النفاق" وهي رواية كتبها يوسف السباعي منذ سنين عديدة صور فيها نفسه متجولا في شارع وإذ به يرى لافتة معلقة على حانوت صغير كتب عليه "تاجر الأخلاق بالجملة والقطاعي". صدمتني الرواية عندما قرأتها في صغري لأنها تخالف كل ما تعلمته في المدرسة من أخلاق.  وها أنا اليوم أستعيد صدمة الماضي عندما قرأت إعلان الوزير ومفتي الجمهورية عن مادة جديدة تسمى الأخلاق في كتاب يكون مقررا على الطلاب العام القادم.

          عدت بذاكرتي إلى الماضي أستحضر فيه أسئلة وجهتها إلى أبي، وهو من رجال التعليم في الماضي الجميل، سألته هل يوجد هناك تجارة للأخلاق، هل ما كتبه يوسف السباعي حقيقي، هل تستطيع أن تدلني على هذا التاجر كي أبتاع منه ما يكفيني من الشجاعة والبطولة حتى نهزم أعداءنا ونعيد أرضنا المحتلة. كان هذا هو هدفي: أن أهزم الأعداء. وذهبت إلى المدرسة أشارك زملائي فيما قرأت فأخذنا نحلم بهذا التاجر لنشتري لأنفسنا قدرا من الشجاعة تمكننا من هزيمة الأعداء. هكذا كنا نفكر، ولم يتطرق إلى تفكيرنا نحن الصغار أن نشتري قدرا من القوة تمكننا أن نستولي بها على بنك فنصبح أغنياء بين يوم وليلة، فنشتري الحلوى واللُّعَب لنأكل ونلهو. كان لنا هدفا واحدا مشتركا، وكنا نفكر فيما ينفع الوطن، وكنا نعي جيدا أن من يسرق يصير لصا، وأن اللص يعيش خائفا وجبانا ينفر منه الناس أينما ذهب. هذه كانت أخلاقنا بغير مادة للأخلاق.

          جاء اليوم الذي نكتب فيه الأخلاق في ورق ثم نبيعه للطلاب! وكأن الأخلاق هي شيء منفصل عن الدين والعلم والعمل. سؤال بسيط أطرحه على واضعي منهج الأخلاق ألا وهو كيف نضرب مثلا للشجاعة أو الأمانة أو الكرامة أو السماحة أو التضحية دون أن تكون هذه الأمثلة من التاريخ الإسلامي أو المسيحي؟ هل يوجد في التاريخ الوثني أمثلة كاملة لهذه القيم؟ هل سيكتفي واضعي هذا المنهج بتعريف هذه القيم دون أمثلة من التاريخ أو دون تطبيق؟ هل تكون هذه القيم على شكل افعل ولا تفعل، هذا صواب وهذا خطأ دون قاعدة قيمية أو أخلاقية؟ أسئلة كثيرة لا أدري لها إجابة وأظن أنهم أيضا لا يعرفون لها إجابة.

          وإذا قلنا في كتاب الأخلاق الجديد أن السرقة حرام، فسوف تقودنا فطرة الطالب إلى السؤال عن ما هو الحرام؟ فيجيبه مدرس الأخلاق هذا ليس من تخصصي فلا توجد له إجابة في منهج الأخلاق، اذهب إلى مدرس الدين، يجيبك على هذا السؤال، فهذا في تخصصه! وإذا قلنا في كتاب الأخلاق الجديد أن السرقة خطأ فادح، فسيسألنا الطالب لماذا تكون السرقة خطأ؟ فبماذا يجيبه مدرس الأخلاق، هل سيقول له لأن وزارة التربية والتعليم تقول أن السرقة فعل خاطئ، وأن تبرير هذا الخطأ أو الإجابة على هذا السؤال يكون في حصة الدين. أتخيل أن وزير التربية والتعليم يرى أن يكون السؤال في حصة الأخلاق والإجابة في حصة الدين، ولكنى لا أتوقع أن فضيلة المفتى يوافقه على ذلك! ولكن هذا ما حدث.

         وإذا اكتفى واضعو منهج الأخلاق بالمعاملات، كجرم الغش مثلا، فسيكون للطالب نفس السؤال: لماذا يكون الغش خللا أخلاقيا؟  فبماذا تكون الإجابة؟ أما إذا اقتصرت مادة الأخلاق على تعليم الطلاب (الإتيكيت) أو الآداب المتعلقة بالملبس وطريقة الأكل والشرب والكلام والنظافة، فهذا كله مفصل في الدين ولقد أخذه الغرب عنا فتقدم وتفوق فيه، وأهملناه نحن عندما اقتصر الدين على الشكل وترك الجوهر.

          والآن نتحدث عن مادة الدين، كيف ندرسها والأخلاق جوهرها؟ هل ننزع عن الدين أخلاقه؟ هل نكتفي بتعليم الطلاب كيفية الصلاة في درس الدين، ولا نقول له أن المصلي لا يغش، ولا يكذب، ولا ينافق، لأن الغش والكذب والنفاق من شأن درس الأخلاق. الأخلاق جزء لا ينفصل عن الديانات الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام، حتى جاء الإسلام فتمم مكارم الأخلاق وصدق على ما جاءت به الديانات السابقة وأظهرها في أكمل صورها. والأخلاق هي محل اتفاق كل الديانات السماوية، فكيف نفصلها عن الدين، وكيف نفصل الدين عنها؟

          أرى أن تكون الأخلاق والمعاملات بابا في كتاب الدين الإسلامي والمسيحي، فهذا مقبول ومنطقي. كما أرى ألا نكتفي في كتب الدين بشرح العبادات، بل يجب علينا شرح المقاصد والغايات من ورائها، وأن نبسط للطلاب لماذا نصلي، لماذا نبتعد عن الغش، لماذا نحب الأمانة والنظافة والصدق والشجاعة والتسامح. يستطيع معلم الدين أن يبسط كل هذه الفضائل، كما يستطيع معلم العلوم أو الرياضيات، ومعلمو اللغات، أن يهذبوا أخلاق الطلاب عن طريق موضوعات دراسية وقصص تحبب الطلاب في القيم والأخلاق. وذلك يتم بدون كتاب منفصل للأخلاق يشكل عبئا جديدا على الطلاب. نحن لسنا في حاجة إلى أسفار جديدة يحملها الطالب ولا يعيها، وتتحمل نفقاتها الدولة بلا عائد وبلا مردود أخلاقي أو مادي. نحن بحاجة إلى أخلاق فعلية يراها الطالب في مُدَرِسه نموذجا يحتذى، فيقلده لأنه يحبه، كما يقلد أبيه وأمه لأنه يحبهما، فلا يجد الطالب فارقا أخلاقيا بين ما تلقنه إياه أسرته بالمنزل وما يتعلمه من مدرسيه في الفصل، ويكون هذا في انسجام واتفاق شفهي وفعلي بين البيت والمدرسة بدون كتاب وورق وأسفار لا يعيها الطالب ولا يقتنع بها المدرس والبيت.

          الصدق سيد الأخلاق، تعلمنا هذه العبارة في الصغر. ولقد كبرنا الآن ونستطيع أن نفهم لماذا تربع الصدق على عرش الأخلاق. فهل يقول لنا الوزير والمفتي ما هو السر وراء فصل الدين عن الأخلاق؟ لقد أكثرت من الأسئلة وأسرفت في استخدام علامات التعجب لأعرف هذا السر، وإن كنت أعرفه وتعرفونه. فأنا تنقصني فضيلة الشجاعة كي أجيبكم عما أعرف، أو قد تنقصني فضيلة الصبر عن الإجابة، فربما تجيء إجابتي مُطَوَّلة في كتاب أبغضه عن الأخلاق، خاصة إذا كانت هذه الأخلاق بلا دين.

 نشرت في دنيا الوطن 13-05-2010

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2010/05/13/197931.html

ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالم...