‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر. إظهار كافة الرسائل

30‏/11‏/2011

الآليون الجدد د. رضا علي حسن

 قارب العام الخمسين من الألفية الثانية على الانتهاء، ولم ينتهِ الجدل بعد، فالقضية غاية في الإثارة، والجدل عميق. أنتم تعرفون أن نخبة من العلماء في الغرب واليابان والصين قد توصلوا إلى اختراع الإنسان الآلي شديد الشبه بالإنسان، فهو يشبهنا تمامًا من حيث الملامح الإنسانية، والبشرة، وليونة الحركة. وهو مُعَدٌّ ببرامج تجعله يتصرف ويفكر مثلنا في كافة الأمور المطلوبة منه، وهو قادر على حل معظم المشكلات اليومية والحياتية التي يقع فيها الإنسان الطبيعي. وفوق كل هذا، هو لا يحتاج إلى تحكم عن بُعد، فهو يدير نفسه بنفسه، وهو قادر على إصلاح برنامجه إذا تعرض البرنامج للتلف. هو لا يحتاج الإنسان الطبيعي إلا في حالات الضرورة القصوى، كإصلاح بعض الأعطال الفنية، أو تحديث برامج العمل، أو تزويده ببرنامج جديد وأوامر جديدة.

        أصبح الإنسان الآلي الآن ظاهرة مثيرة للجدل والخوف على مستقبل الإنسانية. فقد وضعت بريطانيا أول تشريع قانوني ينظم العلاقات بين الإنسان الطبيعي والإنسان الآلي، وأوصت التشريعات بأن يكون للإنسان الآلي شخصية قانونية وبطاقة هوية، فهو يقود السيارة، ويستخدم كروت الائتمان في الشراء، ويسكن المنازل، وعليه تقريبًا كافة الواجبات والحقوق المطلوبة من الإنسان الطبيعي. والإنسان الآلي الآن يؤدي كافة الأعمال التي يؤديها الإنسان الطبيعي، بل يتفوق على الإنسان الطبيعي في أداء كافة الأعمال الخطرة والدقيقة والقذرة.

        لذلك بدأت بريطانيا بهذه التشريعات القانونية التي تضمن بها تُحمِل هذا الإنسان الآلي وصاحبه كافة التبعات إذا أخطأ، ومحاسبتهما عند القيام بخطأ ما، وتبعت بريطانيا كافة الدول المتقدمة في سَن قوانين تضمن ضبط أداء الإنسان الآلي في كافة الشؤون.

        ولكن الوضع مختلف في مصر والعالم العربي. تهافت الأثرياء على شراء الإنسان الآلي للتباهي أو لاستغلاله في الذهاب إلى العمل بدلًا منهم، أو تأجيره بأسعار عالية لأداء كافة الأعمال التي يطلبها الآخرون. فهو يفعل أي شيء يطلبه منه صاحبه وفقًا للبرامج التي ينتجها الغرب والشرق. ونشأت فرق من المبرمجين العباقرة المصريين لوضع برامج أخرى يستطيع بها صاحب الإنسان الآلي توجيه آلته لأعمال البلطجة والسرقة والنهب. وشاعت الفوضى في المجتمع، فلا يوجد قانون لضبط أداء الإنسان الآلي، فهو يسرق ويبلطج ويزوِّر، ولا يستطيع أحد أن يحاسبه أو يحاسب صاحبه لأن القانون الحالي يفتقر إلى أي تشريعات تخص هذا الوضع.

        وأصبح الوضع في المؤسسة الدينية أشد اختلافًا. فأصدر الأزهر وثيقة توافقية توصي بالتفكير في هذه المستجدات الحديثة حتى يستفيد منها المجتمع دون الإخلال بثوابت الدين وروح الشريعة. واتخذت الكنيسة المصرية موقفًا مشابهًا من ذلك. وذهب كل أناس بمذهبهم، واتخذ بعض المستنيرين من المنتسبين للتيارات الدينية الإسلامية موقفًا مشابهًا لما توافق عليه الأزهر والكنيسة، وبدأوا في وضع برامج مفيدة تمكنهم من استغلال الإنسان الآلي كقوة للعمل في المصانع والأعمال الصعبة. وجاء تيار آخر ليكفّر الإنسان الآلي وصاحبه. وهدد فريق ثالث بتفجير أي إنسان آلي وتصفية صاحبه لأنه مفسد في الأرض. وبدأ مسلسل القتل والتفجير، حتى اكتشف المجتمع أن هذه التفجيرات تقضي على الإنسان الطبيعي، وأن الإنسان الآلي لا يُصاب بمكروه يُذكر لأنه دائمًا يهرب في الوقت المناسب ويستشعر بالخطر قبل حدوثه، على خلاف الإنسان الطبيعي.

وبدأ العقلاء من كل هذه الفرق في الاجتماع لدراسة الوضع والخروج من المأزق. وبعد التشاور، اكتشفوا أن المشكلة ليست في الإنسان الآلي، بل هي في الإنسان الطبيعي المستغل المستفيد. وقضوا بأن الإنسان الآلي بريء من كل ما نُسب إليه، ولابد من استغلاله فيما يفيد المجتمع. وانتهى الاجتماع بالاتفاق على أن الإنسان الآلي حلال، ويجب استغلاله فيما يفيد وينفع. ونسِي العقلاء التوصية بسنّ القوانين التي تضمن استغلال الإنسان الآلي استغلالًا نافعًا، ونسُوا محاسبة الإنسان الطبيعي على كل ما قام به من قتل وترويع في حق بني جلدته من الطبيعيين. ولم يستفيدوا من قوانين الغرب والشرق التي تنظم أداء الإنسان الآلي، والتي تحاسب صاحبه الطبيعي عند إساءة الاستخدام أو الإساءة إلى المجتمع.

        توقّف العنف بعد وثيقة العقلاء التي حلّلت الإنسان الآلي، وبدأ الجميع في استغلال الإنسان الآلي بطريقة مفيدة تتفق ومبادئه وتوجّهاته. وتبارى الفقهاء من كل فرقة في جواز استغلال الإنسان الآلي، فقام بعضهم بوضع برامج مفيدة في العمل المجتمعي العام. واستغلّوا الإنسان الآلي في الدعوة لأفكارهم بالنزول إلى الشوارع والأزقّة الخطرة. وقامت فرقة أخرى بتزويد الآلي ببرامج دينية تمكّنه من الدعوة بين الناس، وقام فريق ثالث بشراء أعداد كبيرة من الآلي لتزويده ببرنامج ديني واحد فقط للوقوف ضد الآليين من الفسقة الليبراليين والعلمانيين. وظهرت فرق من الآليين العراة تجوب الشوارع بحجّة أنهم أحرار يفعلون ما يريدون. وجاء من يطالب الجميع باقتناء الآلي المسلم والزواج من الآلية المسلمة. وظهرت مشاكل وآراء كثيرة عندما طُرحت مسألة صلاة الآلي أو الصلاة عليه عندما يتحطّم ويموت! وقال بعضهم إن من اقتنى آليًا غير مسلم سيصير كافرًا! وأجاز الفقهاء المتشدّدون جواز سكن المرأة وسفرها مع آلي خادم دون محرم لأنه ليس بإنسان! وأجاز آخرون مشروعية الزواج من أكثر من حورية آلية لأنه لا يوجد دليل على عدم الزواج بأكثر من أربع حوريات آليات! وظهر في الأسواق آليون لهم لحى طويلة ذات شكل معيّن لتُفرّق بين الآليين الإسلاميين والآليين العلمانيين الكفّار. وطرح بعض السياسيين حقّ الآلي في أن يكون له صوت في الانتخابات. فازداد إقبال الأحزاب على شراء الآلي توقّعًا لاستصدار قانون يجيز تصويت الآلي. وساد الجدل في الفضائيات حول مسائل آلية بحتة، ونسِي المثقفون وغير المثقفين الإنسان الطبيعي ومشاكله الطبيعية.

        وهكذا عاش الناس في تهافت على اقتناء الآلي بالنهار، والجلوس أمام التلفاز بالليل لمشاهدة قضاياه الساخنة. وامتلأت جيوب الدول المنتجة للإنسان الآلي في الغرب والشرق، كما امتلأت جيوب واضعي برامجه والمستفيدين منه.

بالأمس، في السابع عشر من نوفمبر 2011، انتهيتُ من كتابة السطر الأخير في قصة "الآليين الجدد" التي عرضتها عليكم في السطور السابقة. شكرتُ طفلي الصغير كثيرًا على الفكرة التي قدّمها لي على طبق من ذهب. جاءتني الفكرة عندما سألني: "هل توافق على أن يكون لي أبًا آليًا آمره بشراء الحلوى لي في أي وقت شئت؟ فأنت تمنعني من أكل الحلوى في أوقات كثيرة، فهذا الحل يريحني كثيرًا ويريحك أيضًا من إلحاحي!"

        ذهبتُ للنوم متأثرًا ومفكرًا في ما قاله لي صغيري، وزاد تأثري عند رؤية مشاهد متفرقة في التلفاز تتناحر فيها الفرق والأحزاب على كرسي الحكم ومقاعد البرلمان. وشعرتُ بأن الفرقاء السياسيين قد تخلّوا عن إنسانيتهم وعقولهم من أجل السلطة. وقلتُ لنفسي: لا فرق بين السلطة والحلوى التي طلبها مني طفلي الصغير، فهم تواقون إلى السلطة، يريدونها لأنفسهم، ويسعون إليها بشتى الطرق: بالغش، والخيانة، وخلط المفاهيم، وتغييب الناس عن عقولهم. فهم لصوص يجنون ثمار شجرة زرعها غيرهم من أجل أن يأكل منها الجميع.

        اشتدّ حزني قبل النوم عندما فكّرت في مستقبل صغيري الغامض، ثم استغرقتُ في نوم عميق! قمتُ منه فجأة على صوت صراخي: "أوقفوا الآليين عن شراء الحلوى، فلن أسمح لهم أن يقدّموها لطفلي حتى لا ينسى أبوّتي له. فهذا لن يكون!" وأخذتُ أكتب ما جاء في السطور متأثرًا بحزني وتشاؤمي، ووضعتُ لهذا اليوم تاريخًا قد يمتد حتى يراه طفلي بعد أربعين عامًا من الآن.

        أتمنى أن يعيش صغيري ليرى يومًا ينتصر فيه الإنسان الطبيعي لإنسانيته، ينتصر فيه على عزلته ووحدته، يفكّر فيه الإنسان بمنطق الإنسان الطبيعي، بعيدًا عن أفكار آلية معلّبة تفقده ما بقي له من ضمير وإنسانية. أحب أن أراه يصنع الحلوى بيديه، يتقاسمها مع أقرانه، فيأكل ويأكلون، ويهنأ ويهنؤون، لا يخطف ثمرة، ولا يستسلم لهمس الشياطين باختطافها.

سوف يأتي هذا اليوم غدًا أو بعد أربعين عامًا، لا محالة في ذلك، وسوف يراه صغيري أو ربما أراه أنا، لا فرق في ذلك. حياة الإنسان الطبيعي سوف تعود، وسوف يغلق كل آلي على نفسه علبته وينام في سكون.

        الثورة باتت حقيقة، تغيّر لها الواقع، والتغيير في استمرار حتى تكتمل ثمرة الحرية والمساواة. ولن توقفها أفكار معلّبة فاسدة، ولن يوقفها الآليون الجدد. وسوف نرى.

15‏/10‏/2010

جزر مصرية د. رضا علي حسن

 لا يتخيل عاقل وحيد يحيا على أرض مصر ما يجري لوطنه اليوم. لم يدر بخلده أبداً أن النيل الذي يروينا جميعاً بمياهه العذبة، والذي يسعنا لنعيش على أرضه الخصبة، أصبح مليئاً بالجزر المفتتة، كل جزيرة تسكنها مجموعة صغيرة أو فردٌ واحدٌ. كلٌّ يعيش في جزر متلاصقة كادت تسد مجرى النهر، يجهل كل من يعيش في هذه الجزر الكثير عن الآخر، لا يريد أن يسمع له، ولا يريد أن يصنع لنفسه زورقاً يقطع به المسافة التي تفصله عن جاره.

    رغم قصر المسافات الجغرافية التي تفصل المصري عن المصري، والتي تضيق يوماً بعد يوم، فالمسافات النفسية تتسع وتتزايد. فأصبحنا اليوم من كثرة الزحام أجساداً متلاصقة ونفوساً متباعدة، تحسبها عن بعد من شدة التلاصق بنياناً واحداً صلباً، وحينما تقترب ترى لبناته تتباعد، تفصلها طبقات إسمنتية كثيفة عازلة.

    أيُّ صورةٍ تلك التي نريد للعاقل أن يتخيلها؟ فمنطق الحياة يفترض أن تسكن النفس الجسد، وأن تتقارب النفوس فتتقارب الأجساد، أو تتباعد النفوس فتتباعد الأجساد. ولكن الصورة في مصر مختلفة، فهي أجساد متلاصقة لنفوس متباعدة.

          مفهوم التَجَزُّر في مصر له صورهُ المتعدّدة، نراه في المؤسسة، ونراه في العائلة، ونراه بين أفراد المجموعة الواحدة، كما نراه في الفرد الواحد. نأخذ على سبيل المثال مؤسسة حكومية تعليمية لها نسق حكومي مماثل لباقي المؤسسات التي تدير الحركة التعليمية في البلاد، نجدها مختلفة في نظمها وشؤون إدارتها الداخلية عن مثيلاتها من المؤسسات التعليمية الأخرى. هذه المؤسسة التعليمية في القاهرة تتبع نظاماً مغايراً لنفس المؤسسة التعليمية في محافظة صعيدية، بل يكون عدم التطابق هو الأصل بين مؤسستين متماثلتين في محافظة القاهرة مثلاً! فيهالنا ما نراه من شكوى لموظف تابع لمؤسسة تعليمية في القاهرة يريد أن ينتقل إلى فرع من فروع المؤسسة ذاتها بالقاهرة، يقول في شكواه إن أوراقاً معينة في مؤسسته الأولى لا يُعترف بها في الثانية، أو يجب أن يتم تعديلها وفقاً لنظام معين آخر!

          ونرى مفهوم التَجَزُّر في عائلة، لها أب واحد وأم واحدة! يتبع الأب أو الأم أسلوبًا جميلًا في معالجة قضية ما خاصة بابنٍ من أبنائهم مرة، ويتبعون أسلوبًا غير جميل في معالجة قضية مشابهة لطفل آخر من خارج العائلة أو من داخلها مرات عديدة! يقدمون لأبنائهم نصيحة يلتزمون بها ويعملون بها داخل الجدران، ولا شأن لهما التزم بها الأبناء خارج الجدران أم لم يلتزموا، وربما يبدر عن الأب أو الأم فعلًا ما يتناقض مع نصيحتهما داخل أو خارج جدران المنزل! فللبيت جدران تتوارى وراءهُ الكلمات والأفعال، كما للجزيرة حدود يذوب عنها كل شيء خارجها في الماء!

          قفزة أخرى لصحبة تجمعهم نسمة هواء، أو مائدة غذاء. تتحدث الصحبة كل يوم في أمور مختلفة، تنتقد ما يجري في البلاد، وما يجري في المؤسسة، وما يجري في العائلة، وتنتقد كل الأفراد. ويكون حديثهم صائبًا دائمًا لأنه قائم على وقائع ملموسة يعيشها كل فرد من أفراد المجموعة، تمس مؤسسته، وأسرته، وذاته. ويظل الكلام حبيس المجموعة، لا يتخطى المكان الذي يتنسمون في هوائه، ولا يبرح مائدة غذائهم كلما اجتمعوا على طعام. كلما دخل عليهم وافد من جزيرة أخرى، امتنعوا عن الكلام المباح وغير المباح. يعيشون في جزيرتهم يتكلمون، ويعلمون أن هناك آخرين يتحدثون مثلهم في جزر أخرى قريبة، فيظل كل في مكانه تحدوه الرغبة في الحديث، ولا يخامره نزوع إلى إبحار أو حتى اتصال. هذا هو هواؤنا، نشمه وحدنا نسيمًا أو سمومًا، وهذا هو طعامنا وحدنا، نأكله طيبًا أو خبيثًا.

          تنتهي أمثلتنا عند الفرد. فهو جزيرة منفصلة بذاته، وفي نفسه جزر أخرى لا يكاد يدركها. فعلى مستوى الجماعة نحن أفراد نتعامل وفق نظم الجماعة عندما لا تتعارض هذه النظم مع مكنونات ذواتنا، فنصفق لهذه النظم لأنها مفيدة، وننهال عليها نقدًا وتقريظًا عندما لا نقع في دائرة فائدتها، أو حينما تتعارض هذه الفائدة مع مصالحنا وأغراضنا. نعم للجماعة عندما توافقنا، ولا للجماعة عندما تخالفنا. نحن ساكنو جزيرتكم إذا كنتم معنا، ولنسكن جزيرة أخرى إذا كنتم علينا. وعلى المستوى الفردي البحت، نجد الفرد منا تمزقه نوازع مختلفة، فحينا تسيطر علينا نوازع مادية فلا نهتم بأي شيء إلا المادة، فتصبح نفوسنا جزرًا مادية مغلقة لا تقبل فيها أيَّة نوازع أخرى غير مادية. نظل في جزيرتنا النفسية حينًا من الوقت حتى تزول رغباتنا الأولى أو تنكسر، لتتلاطمنا رغبات ونوازع أخرى تعزلنا عن حقيقة أنفسنا كما تعزلنا عن الآخرين حينًا آخر من الوقت. ويصبح الفرد رهين مصلحته على مستوى الجماعة، ويصبح رهين رغباته على مستوى الفرد. يخالف حقيقة الجماعة عندما يحس أن هذه الحقيقة تتعارض مع ما يريد، فينعزل في جزيرته وحيدًا، ويخالف حقيقة نفسه عندما تتنازعه رغبة تسيطر عليه، فينعزل عن جادة نفسه في جزيرة رغبته.

          الفرد نسيج الجماعة، تتكون منه الجماعة كما يتكون الثوب من نسيجه. كما أن الفرد منتج الثقافة، فيكون إنتاجه وإسهامه في ثقافة مجتمعه دينًا ونهجًا له ولمجتمعه. وتأتي إسهامات الفرد في ثقافة مجتمعه على قدر تماسك النسيج في الثوب، فإذا انفرطت عقدة النسيج، ترهل الثوب وتمزق. وإذا تمزق الثوب تعرّى الجسد، وعندما يتعرّى الجسد فلن ينتج ثقافة إلا ثقافة الجزر، يكون أساسها أجساد عارية متلاصقة، يذهب بها ضيقها من نفسها ومن غيرها إلى التباعد والتشتت. فلا هي نفوس رضيت عن نفسها، ولا هي رضيت عن الآخرين، فتفرقت الأجساد رغم التلاصق، وتباعدت النفوس كارهة لنفسها، لاعنة لغيرها.

          لم نألف نحن المصريون صورة النهر مليئا بالجزر، ونفرح دائما عندما يغطى الماء الجزيرة فيطمسها بخيراته وبركاته. ونفرح دائما لصورة المصرى الفقير يشاطر اخيه المصرى لقمته، ونحزن كل الحزن إذا أجبرته ظروف العيش على أن يضن على أخيه أو ينزع عن فمه لقمة كانت لهما سويا.  كما نحزن كثيرا إذا رأينا مصريا أفاء الله عليه من نعمه فجحدها ومنعها عن إخوته. وينفطر القلب إذا رأينا من ينهل من النهر ويستأثر بخيراته ويعيش منغلقا فى أجمل جزيرة به، غير آبه بما يجره انغلاقه عن غيره من مضار، وغير مقدر لعواقب قدرها الله على كل من يستأثر بنعمته دون غيره من الناس.

          لم نألف نحن المصريون صورة النهر مليئًا بالجزر، ونفرح دائمًا عندما يغطي الماء الجزيرة فيطمسها بخيراته وبركاته. ونفرح دائمًا لصورة المصري الفقير يشاطر أخيه المصري لقمته، ونحزن كل الحزن إذا أجبرته ظروف العيش على أن يضن على أخيه أو ينزع عن فمه لقمة كانت لهما سويًّا. كما نحزن كثيرًا إذا رأينا مصريًا أفاء الله عليه من نعمه فجحدها ومنعها عن إخوته. وينفطر القلب إذا رأينا من ينهل من النهر ويستأثر بخيراته ويعيش منغلقًا في أجمل جزيرة به، غير آبه بما يجرّهُ انغلاقه عن غيره من مضار، وغير مُقدِّر لعواقب قدّرها الله على كل من يستأثر بنعمته دون غيره من الناس.

          متى يعود طمي النيل الرائق ليجدد الأرض وينقيها؟ يعود ليبدل تلك العوازل الأسمنتية التي تفصل بين الأجساد والنفوس بطبقات من الطمي تقوّي ولا تفصل، تذوب فيها الفوارق المادية وتحفظ بها مراتب الاحترام والتقدير. متى تعود ثقافتنا الطميّة؟ تعود بطميها الطبيعي الذي خلقه الله فتطمس معالم الجزر، وتمد قنوات الاتصال، وتغمر الجميع بالخير، يأخذ الفقير نصيبه المقدّر له فيرضى، ويأخذ الغني نصيبه المقدّر له لينعم ويغدق. فلا ينقم فقير، ولا يتجبر غني. متى تعود ثقافة الجسور؟ تعود لتوحد نظم المؤسسات، وتعيد صواب العائلة والجماعة، وتحفظ للفرد توازنه وعقله. هل حقًّا سيعود عهد النيل السعيد؟ أهذا أمل لعقل يحلم، أم حلم لمواطن يهذي؟

  نشرت في دنيا الوطن في 15-10-2010

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2007/10/15/107225.html

  

12‏/10‏/2008

هل العلمانية هي الحل؟ د. رضا علي حسن

 تطل علينا هذه الأيام صور إعلامية ملحة تسدعى من الذاكرة قضايا ومفاهيم مربكة، شغلت العقل الإسلامي والعربي كثيرا، ولاتزال ترهقه، حتى تمزق وترهل. تمثلت هذه الصور فى مجموعة من الأحداث المرئية، مثل صور الأعلام التركية الحمراء التى رفرفت وتكدست فى أهم ميادين  تركيا، حيث طالب رافعوها باحترام العلمانية بوصفها مبدأ للدولة التركية الحديثة، والمطالبة بعدم ترشيح "غل" نفسه رئيسا للدولة، لكونه مسلما، وصور المطالبات بارتداء الحجاب فى فرنسا تحقيقا لمبدأ الحرية، وإهانة وزير الثقافة المصري للمحجبات،  والهجمات المتتالية على الرسول، وسبل الرد المختلفة من قبل المسلمين، والقبض على بعض رموز الأخوان المسلمين فى مصر، ويسبقها مطالبة بعض أعضاء البرلمان المصري بعدم تبنى شعارات دينية انتخابية سبيلا بالفوز بقلب الناخب المسلم قبل عقله، وأخيرا مصافحة شيخ الأزهر لبيريز وتبريره لذلك بعدة طرق ملتوية خلط فيها السياسي بالدينى. تستدعى هذه الصور المتتابعة - أو يمكن اختزالها – فى ثنائيتين متجاذبتين: العلمانية والدين، وما تحويه هذه الثنائية من مفاهيم مربكة وخلط فكري فرضته التبعية الحضارية للغرب، أو اقتضته إشكاليات الحداثة في الشرق بديلا من الدين، ودينا للتقدم.

          وما يعيب ثنائية العلمانية والدين، هو استغلال المبادئ العلمانية، لفرض أيدلوجية علمانية طاغية، تلغى الآخر، وتهمش دوره، وتشكك في نواياه الوطنية. ومَكْمَن العيب هو تبنى العلمانيون لمفاهيم علمانية طاغية، بحجة حماية العلمانية، وهى ذاتُها نفس المفاهيم الدينية الطاغية التي طالما حاربها العلمانيون، وهدموا من أجلها  حضارات وثقافات. وبدا المشهد للمتابع المدقق واضحا، ومفاده هو العلمانية هي الحل بديلا عن شعار الإسلام هو الحل. فجاءت العلمانية بديلا عن الدين، وطالب أتباعها بفرض مبادئهم، متناسين أن هذه المبادئ العلمانية ذاتها جاءت كردة فعل لكف محتكري الدين عن فرض آرائهم! كما تناسى العلمانيون أن مبادئهم تلك تكفل لهم حق تجربتها فى السياسة والحياة، وحق من له أى مبادئ مغايرة فى التجربة أيضا، طالما أن لهذه المبادئ الحرة ضوابط ذاتية تحميها، مثل ضوابط المحاسبة والمسائلة. فكل له حق التجربة، فإن أصاب أفلح، وإن أخطأ فشل وحوسب.

          لا أريد الدفاع عن الإسلاميين حين أطالب بحقهم فى التجربة، كما أننى لا أريد الدفاع عن العلمانية عندما أصف مبادئها بالحرة. ولكنى أعرض فقط لوجه الشبه بينهما على مستوى ممارسة المبادئ، وليس على مستوى المبادئ نفسها. والفارق بين المستويين عظيم، فالمبادئ يطبقها أشخاص يخطؤن ويصيبون، فإن صحت وسائل الممارسة عاشت المبادئ، وأصبحت قيما تحتذى، وإن أخطأت ماتت المبادئ وتلاشت القيم. وليس من حقنا بعد ذلك أن نشكك فى المبادئ ذاتها ونرفضها، بل ينبغي علينا رفض وسائل الممارسة غير السليمة وممارسيها. هذا على افتراض أن المبادئ سليمة، تحمل ضوابط ذاتية للتطبيق والمحاسبة والمسائلة.

          فإذا وجبت مقارنة الممارسات العلمانية بالإسلامية فى واقعنا الراهن، قد يتبين لنا أن الممارستين متشابهتان عندما تحتكر كل ممارسة لنفسها الحق وتنفيه عن الأخرى، ويظن الفريق العلماني أنه لا سبيل للتقدم إلا العلمانية وإقصاء الدين، ويتخيل الفريق الإسلامي أنه لاخلاص من مساوئ الحداثة والنفعية إلا بالعودة الى حكم الدين – بأي صورة له ومن بينها الخلافة – ونبذ العلمانية. وأوجه الشبه بينهما هنا هى إرادة الاحتكار، وشطب الآخر، والتشكيك فى نواياه الوطنية. وهذا التباعد أو التباغض يؤدي إلى فشل الممارسات العلمانية والإسلامية على أرض الواقع. وأقصد بأرض الواقع، المجتمع الممارس لهذه المبادئ، من حيث رفضه أو قبوله لها، أو من حيث تأثير هذه المبادئ فيه سلبا وإيجابا إذا فشلت أو نجحت.

          ولهذه المقارنة القائمة على الممارسة الفعلية للعلمانية والإسلام، أسس تاريخية يتوجها الفشل فى كلتا الحالتين. نشأت العلمانية كرد فعل طبيعي معاكس لتحكم الكنيسة أو المؤسسة الدينية في الغرب، وكَره الغرب الحكم باسم الدين وطغيان الكنيسة على العقل والعلم، فتولدت المبادئ العلمانية لإعلاء العقل، وإعمال وسائله، لتحرير الإنسان من سطوة ممارسات الدين الخاطئة، التى سلبت إنسان العصور الوسطى فى أوربا حقه فى الحياة الكريمة الحرة. وللمفارقة الغريبة، كان الفضل في رغبة الأحرار فى أوربا فى تغيير الواقع الديني المتسلط هناك راجعا إلى اطلاعهم على التجربة الدينية الإسلامية، وهى في أوج ازدهارها، عندما أطلقت سلطة العقل فتقدم المسلمون، وأصبحوا مثالا يحتذى فى الغرب! وجربَ الأوروبيون مبادئ العلمانية -  المُستقاه من التجربة الدينية الإسلامية المزدهرة -  وسيلة للحكم، واستُبعدَ الدين عن السياسة، وتقلصت سلطته عليها. ونهضت أوربا عندما نفض أهلها عبء المؤسسة الدينية عن كاهلهم، وتفوقت علميا وماديا. وتنامى مع التفوق الحضارى صراعٌ على المادة، لا يحكمه دين ولا قيم إنسانية سوية، وتفشت العنصرية والطبقية، وتجلت فى احتلال أوربا للعالم وسلب مقدراته بلا رحمة أو شفقة، وركعت المؤسسة الدينية للعلمانية، بل بشرت لها فى العالم المحتل، ورفعت الكنيسة الراكعة للعلمانية شعارات "علما- دينية" جديدة ظاهرها الدين وباطنها المادية العنصرية. وبشرت المسيحية للعلمانية فى المستعمرات، فكان الحرمان والتنكيل والقتل لمن يعارض، وشيئ من رحمة، ولقمة عيش، لمن تمسح وخضع. وكان ركوع المؤسسة الدينية للعلمانية إضعافا لها وعارا عليها وخضوعا منها للعلمانية، إله العالم الجديد. وقبلت العلمانية بخضوع الكنيسة لها، كي تكرس لها استيلائها على العالم، وتبرر بها دورها تحت مظلة الرحمة والهداية والتبشير فى الأراضى المحتلة، شريطة إطلاق يد العلمانية فى الداخل، وغض الطرف عن مساوئها وشرورها فى الخارج والداخل. وحدث فى الغرب والعالم ما نراه الآن من طغيان المادة، واللهثِ وراء ترف الرفاهية، وتبرير الشرور والرذائل، وتغليفها بألوان الحرية والتحرر. ونجحت العلمانية الغربية ماديا، وسقطت روحيا، وهي تسجل الآن سطور موتها إنسانيا، بعد الحروب على الإنسانية فى العراق وأفغانستان بدعوى ظاهرها كره الإرهاب والتعصب الديني، وباطنها النهم المادي.

          ولكى يكتمل الشق الثانى من المقارنة، ينبغي استعراض فشل الممارسة الإسلامية فى الحكم والحياة عبر العصور الإسلامية المختلفة، باستثناء نموذجي  عصر الرسالة والخلافة الراشدة. ففي عصر الرسالة، اقتضت طبيعة الدعوة إلى دين جديد مخالف للمارسات الاجتماعية والاقتصادية والعقائدية فى الجزيرة العربية أن تنشأ نواة الدولة المنظمة فى الإسلام، رغبةً فى نشر الرسالة الإلهية، وحفظًا لاستمرار الدعوة للدين الجديد، دون احتكار للرأي، أو فرض الإسلام على الكفار أو اليهود والنصارى، حتى بعد أن توطدت أقدام الإسلام فى ربوع الجزيرة العربية. وقامت دعوة الرسول، وبالتالى ممارسة الحكم فى المدينة على أسس رحيمة وعقلانية ركائزها:  "لكم دينكم ولى دين" ، "لست عليهم بمسيطر" ، "إنك لن تهدي من أحببت"، "وإنا إلينا إيابهم ثم علينا حسابهم". وهذه الأسس أحسبها مُرضِية للعلماني الحديث بما فيها من إرساء لقيم الحرية ونبذ السلطوية الدينية، وهي ذات القيم التي أرست عليها العلمانية مبادئها وحاربت من أجلها ليتحرر الإنسان من وطأة الممارسة الكنسية الخاطئة فى أوربا العصور الوسطى.

 وسار على نفس هذه المبادئ الخلفاء الراشدون. وأخذت فكرة الدولة فى التبلور والنمو كلما توسعت الدعوة، ونما النظام فيها كلما زادت رقعتها وتنوعت جنسيات تابعيها. وذهبت الخلافة القائمة على العقل والعدل والتقوى، وجائت خلافة قائمة على الحسب والنسب، ومن ثم الاستبداد بالحكم. وبدأت الممارسات الخاطئة للحكم، وبدأ تبرير وجود الحاكم واستمرار نسله فى الحكم تبريرًا دينيًا، حتى تكرست الخلافة المالكة، وغلبت الأطماع المادية واستندت إلى الدين، لضمان المُلك، وبقائه، وتبرير شرعيته. وأريقت الدماء من أجل استمرار حكم الأسر تحت غطاء دينى، وكان ازدهار المُلك الأموي والعباسي ازدهارا سريعًا، مَرده إلى قوة الدفع الكبيرة للإسلام الأول فى العصر الراشد، كما كان سقوطهما مروعا ودمويا. فقَتل أمراء بني العباس أمراء بني أمية تحت شعار "نحن أقرب وأولى بخلافة بن عمنا منكم"، وهو شعار أساسه نسب عائلي نبذته الخلافة الراشدة، وهو ليس شعارًا دينيًا. وقبل ذلك كان ما كان من الأمويين عندما قضوا على علي وولده، وعندما حُصر الإسلام ما بين فكي الخلافة للأرشد أم للأقوى تحت شعارات دينية لضمان الحكم وتبرير البقاء فيه.

وتوالت خلافات باهتة على أمة إسلامية مهزومة بعد الاجتياح المغولي للعباسيين. وسقط الأمويون والعرب فى الأندلس، كما سقط مُلك بني العباس فى الشرق لأسباب بدت دينية، وإن كان باطنها مادي. وضعفت المؤسسة الدينية الإسلامية وترهلت، وانقبض العقل، واستحكمت البدع والخرافات فى الجسد الإسلامي المريض. وفُرِّغَ الإسلام من معناه، وضاع هدفه عندما حولته الممارسات المادية التى أساسها الطمع إلى عصا تأديب يتكئ عليه الحاكم، ويبرر بها وجوده واستمراره. حتى صار الإسلام إلى ما هو عليه الآن، مُمتهنًا من الذين يحكمون بإسمه، ومُمتهنًا من الذين يريدون القضاء عليه، مأسورًا في عباداته وطقوسه، ومغلوبًا على أمره في داخل وطنه وخارجه.

وضحت المقارنة، ومفادها أن العلمانية نشأت عند فشل الكنيسة في أوربا في ممارستها للمسيحية الحقة، وتحقيق ما أراده الله للإنسان من رحمة وعدل ورفاهية. كما فشلت الممارسات الإسلامية فى تحقيق جوهر الإسلام وهو الحرية والعدل والمساواة. ونُسِب فشل الممارسات المسيحية والإسلامية الى جوهر المسيحية وجوهر الإسلام، وتم تحميل الجوهر الواحد للدين الإسلامي والمسيحي كل تبعات الفشل التاريخي لهذه الممارسات فى الحالتين. وكانت نتيجة الفشل في الحالة الأوربية، نبذَ المسيحية بكل ما قدمته للبشرية من مبادئ خلقية سمحة. وكانت نتيجته في الحالة الإسلامية، نبذَ الإسلام وتبني نموذج العلمانية الغربية كاملا من قبل البعض، والتخلي عن النموذج الإسلامي فى جوهره الصحيح، متمثلا فى الحرية والعدل والمساوة، ومن قبلهم إعمال العقل في كافة شؤون الحياة أساسًا للتقدم والازدهار. والنتيجة فى الحالتين هي القضاء على الدين لحساب التحرر المادي بكل تبعاته ورذائله ووحشيته، والقضاء – إن شئنا القول - على العلمانية الدينية فى مفهومها الرشيد وهى تطبيق جوهر الدين للرقي بالإنسان بوسائل علمية مادية، يضبطها العدل والحرية وحق الحياة الآمنة للجميع، دون طغيان لفكرة على أخرى أو لمبدأ على آخر.

والنتيجة فى الحالتين تصب فى صالح اليهود وأتباعهم من الحكام الطامعين من غير اليهود، الذين استغلوا العلمانية لتفتيت المسيحية وتشييع معتنقيها، فغيبوا أهدافها عندما أفلحوا فى طمس معالمها الحقة. وهم ذات اليهود وأتباعهم من غير ملتهم من الحكام، الذين فتتوا المسلمين وقسموهم إلى فرق متناحرة، ومسخوا جوهر الإسلام الحق.

وعندما أخلُصُ إلى هذه النتيجة، لا أرد أسبابها إلى اليهود وتآمرهم على الدين المسيحي والإسلامي من أجل أغراضهم المادية المعروفة تاريخيا، فهم يعملون جاهدين لتحقيق أغراضهم للسيطرة على العالم بتمزيق روح الإنسان، وتشكيكه فى منابع الإيمان، وإغراق جسده فى الرزيلة، وتخدير عقله بمخدر الجنس، وموجات التحرر العابثة. إنما ترجع كل الأسباب إلى قبولنا بالمخطط اليهودي، واستكانتنا له، ودعمنا لأساليبه.

فهل ياترى ينجح علمانيو الشرق تحت شعار: العلمانية هى الحل، أم تنجح بعض التيارات المسلمة تحت شعار: الإسلام هو الحل، أو نقبل بالوضع الراهن المهين، انتظارًا للحل من صانعي العقدة المهرة، فلن يجئ الحل ولن يسعدنا انتظار.  

نشرت بدنيا الوطن في 2008-10-12      

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2008/12/10/152736.html

ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالم...