15‏/10‏/2010

جزر مصرية د. رضا علي حسن

 لا يتخيل عاقل وحيد يحيا على أرض مصر ما يجري لوطنه اليوم. لم يدر بخلده أبداً أن النيل الذي يروينا جميعاً بمياهه العذبة، والذي يسعنا لنعيش على أرضه الخصبة، أصبح مليئاً بالجزر المفتتة، كل جزيرة تسكنها مجموعة صغيرة أو فردٌ واحدٌ. كلٌّ يعيش في جزر متلاصقة كادت تسد مجرى النهر، يجهل كل من يعيش في هذه الجزر الكثير عن الآخر، لا يريد أن يسمع له، ولا يريد أن يصنع لنفسه زورقاً يقطع به المسافة التي تفصله عن جاره.

    رغم قصر المسافات الجغرافية التي تفصل المصري عن المصري، والتي تضيق يوماً بعد يوم، فالمسافات النفسية تتسع وتتزايد. فأصبحنا اليوم من كثرة الزحام أجساداً متلاصقة ونفوساً متباعدة، تحسبها عن بعد من شدة التلاصق بنياناً واحداً صلباً، وحينما تقترب ترى لبناته تتباعد، تفصلها طبقات إسمنتية كثيفة عازلة.

    أيُّ صورةٍ تلك التي نريد للعاقل أن يتخيلها؟ فمنطق الحياة يفترض أن تسكن النفس الجسد، وأن تتقارب النفوس فتتقارب الأجساد، أو تتباعد النفوس فتتباعد الأجساد. ولكن الصورة في مصر مختلفة، فهي أجساد متلاصقة لنفوس متباعدة.

          مفهوم التَجَزُّر في مصر له صورهُ المتعدّدة، نراه في المؤسسة، ونراه في العائلة، ونراه بين أفراد المجموعة الواحدة، كما نراه في الفرد الواحد. نأخذ على سبيل المثال مؤسسة حكومية تعليمية لها نسق حكومي مماثل لباقي المؤسسات التي تدير الحركة التعليمية في البلاد، نجدها مختلفة في نظمها وشؤون إدارتها الداخلية عن مثيلاتها من المؤسسات التعليمية الأخرى. هذه المؤسسة التعليمية في القاهرة تتبع نظاماً مغايراً لنفس المؤسسة التعليمية في محافظة صعيدية، بل يكون عدم التطابق هو الأصل بين مؤسستين متماثلتين في محافظة القاهرة مثلاً! فيهالنا ما نراه من شكوى لموظف تابع لمؤسسة تعليمية في القاهرة يريد أن ينتقل إلى فرع من فروع المؤسسة ذاتها بالقاهرة، يقول في شكواه إن أوراقاً معينة في مؤسسته الأولى لا يُعترف بها في الثانية، أو يجب أن يتم تعديلها وفقاً لنظام معين آخر!

          ونرى مفهوم التَجَزُّر في عائلة، لها أب واحد وأم واحدة! يتبع الأب أو الأم أسلوبًا جميلًا في معالجة قضية ما خاصة بابنٍ من أبنائهم مرة، ويتبعون أسلوبًا غير جميل في معالجة قضية مشابهة لطفل آخر من خارج العائلة أو من داخلها مرات عديدة! يقدمون لأبنائهم نصيحة يلتزمون بها ويعملون بها داخل الجدران، ولا شأن لهما التزم بها الأبناء خارج الجدران أم لم يلتزموا، وربما يبدر عن الأب أو الأم فعلًا ما يتناقض مع نصيحتهما داخل أو خارج جدران المنزل! فللبيت جدران تتوارى وراءهُ الكلمات والأفعال، كما للجزيرة حدود يذوب عنها كل شيء خارجها في الماء!

          قفزة أخرى لصحبة تجمعهم نسمة هواء، أو مائدة غذاء. تتحدث الصحبة كل يوم في أمور مختلفة، تنتقد ما يجري في البلاد، وما يجري في المؤسسة، وما يجري في العائلة، وتنتقد كل الأفراد. ويكون حديثهم صائبًا دائمًا لأنه قائم على وقائع ملموسة يعيشها كل فرد من أفراد المجموعة، تمس مؤسسته، وأسرته، وذاته. ويظل الكلام حبيس المجموعة، لا يتخطى المكان الذي يتنسمون في هوائه، ولا يبرح مائدة غذائهم كلما اجتمعوا على طعام. كلما دخل عليهم وافد من جزيرة أخرى، امتنعوا عن الكلام المباح وغير المباح. يعيشون في جزيرتهم يتكلمون، ويعلمون أن هناك آخرين يتحدثون مثلهم في جزر أخرى قريبة، فيظل كل في مكانه تحدوه الرغبة في الحديث، ولا يخامره نزوع إلى إبحار أو حتى اتصال. هذا هو هواؤنا، نشمه وحدنا نسيمًا أو سمومًا، وهذا هو طعامنا وحدنا، نأكله طيبًا أو خبيثًا.

          تنتهي أمثلتنا عند الفرد. فهو جزيرة منفصلة بذاته، وفي نفسه جزر أخرى لا يكاد يدركها. فعلى مستوى الجماعة نحن أفراد نتعامل وفق نظم الجماعة عندما لا تتعارض هذه النظم مع مكنونات ذواتنا، فنصفق لهذه النظم لأنها مفيدة، وننهال عليها نقدًا وتقريظًا عندما لا نقع في دائرة فائدتها، أو حينما تتعارض هذه الفائدة مع مصالحنا وأغراضنا. نعم للجماعة عندما توافقنا، ولا للجماعة عندما تخالفنا. نحن ساكنو جزيرتكم إذا كنتم معنا، ولنسكن جزيرة أخرى إذا كنتم علينا. وعلى المستوى الفردي البحت، نجد الفرد منا تمزقه نوازع مختلفة، فحينا تسيطر علينا نوازع مادية فلا نهتم بأي شيء إلا المادة، فتصبح نفوسنا جزرًا مادية مغلقة لا تقبل فيها أيَّة نوازع أخرى غير مادية. نظل في جزيرتنا النفسية حينًا من الوقت حتى تزول رغباتنا الأولى أو تنكسر، لتتلاطمنا رغبات ونوازع أخرى تعزلنا عن حقيقة أنفسنا كما تعزلنا عن الآخرين حينًا آخر من الوقت. ويصبح الفرد رهين مصلحته على مستوى الجماعة، ويصبح رهين رغباته على مستوى الفرد. يخالف حقيقة الجماعة عندما يحس أن هذه الحقيقة تتعارض مع ما يريد، فينعزل في جزيرته وحيدًا، ويخالف حقيقة نفسه عندما تتنازعه رغبة تسيطر عليه، فينعزل عن جادة نفسه في جزيرة رغبته.

          الفرد نسيج الجماعة، تتكون منه الجماعة كما يتكون الثوب من نسيجه. كما أن الفرد منتج الثقافة، فيكون إنتاجه وإسهامه في ثقافة مجتمعه دينًا ونهجًا له ولمجتمعه. وتأتي إسهامات الفرد في ثقافة مجتمعه على قدر تماسك النسيج في الثوب، فإذا انفرطت عقدة النسيج، ترهل الثوب وتمزق. وإذا تمزق الثوب تعرّى الجسد، وعندما يتعرّى الجسد فلن ينتج ثقافة إلا ثقافة الجزر، يكون أساسها أجساد عارية متلاصقة، يذهب بها ضيقها من نفسها ومن غيرها إلى التباعد والتشتت. فلا هي نفوس رضيت عن نفسها، ولا هي رضيت عن الآخرين، فتفرقت الأجساد رغم التلاصق، وتباعدت النفوس كارهة لنفسها، لاعنة لغيرها.

          لم نألف نحن المصريون صورة النهر مليئا بالجزر، ونفرح دائما عندما يغطى الماء الجزيرة فيطمسها بخيراته وبركاته. ونفرح دائما لصورة المصرى الفقير يشاطر اخيه المصرى لقمته، ونحزن كل الحزن إذا أجبرته ظروف العيش على أن يضن على أخيه أو ينزع عن فمه لقمة كانت لهما سويا.  كما نحزن كثيرا إذا رأينا مصريا أفاء الله عليه من نعمه فجحدها ومنعها عن إخوته. وينفطر القلب إذا رأينا من ينهل من النهر ويستأثر بخيراته ويعيش منغلقا فى أجمل جزيرة به، غير آبه بما يجره انغلاقه عن غيره من مضار، وغير مقدر لعواقب قدرها الله على كل من يستأثر بنعمته دون غيره من الناس.

          لم نألف نحن المصريون صورة النهر مليئًا بالجزر، ونفرح دائمًا عندما يغطي الماء الجزيرة فيطمسها بخيراته وبركاته. ونفرح دائمًا لصورة المصري الفقير يشاطر أخيه المصري لقمته، ونحزن كل الحزن إذا أجبرته ظروف العيش على أن يضن على أخيه أو ينزع عن فمه لقمة كانت لهما سويًّا. كما نحزن كثيرًا إذا رأينا مصريًا أفاء الله عليه من نعمه فجحدها ومنعها عن إخوته. وينفطر القلب إذا رأينا من ينهل من النهر ويستأثر بخيراته ويعيش منغلقًا في أجمل جزيرة به، غير آبه بما يجرّهُ انغلاقه عن غيره من مضار، وغير مُقدِّر لعواقب قدّرها الله على كل من يستأثر بنعمته دون غيره من الناس.

          متى يعود طمي النيل الرائق ليجدد الأرض وينقيها؟ يعود ليبدل تلك العوازل الأسمنتية التي تفصل بين الأجساد والنفوس بطبقات من الطمي تقوّي ولا تفصل، تذوب فيها الفوارق المادية وتحفظ بها مراتب الاحترام والتقدير. متى تعود ثقافتنا الطميّة؟ تعود بطميها الطبيعي الذي خلقه الله فتطمس معالم الجزر، وتمد قنوات الاتصال، وتغمر الجميع بالخير، يأخذ الفقير نصيبه المقدّر له فيرضى، ويأخذ الغني نصيبه المقدّر له لينعم ويغدق. فلا ينقم فقير، ولا يتجبر غني. متى تعود ثقافة الجسور؟ تعود لتوحد نظم المؤسسات، وتعيد صواب العائلة والجماعة، وتحفظ للفرد توازنه وعقله. هل حقًّا سيعود عهد النيل السعيد؟ أهذا أمل لعقل يحلم، أم حلم لمواطن يهذي؟

  نشرت في دنيا الوطن في 15-10-2010

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2007/10/15/107225.html

  

13‏/05‏/2010

أخلاق بلا دين ! د. رضا على حسن

مقرر دراسي جديد أطلقوا عليه "لأخلاق" جنباً إلى جنب مع مادة الدين، هكذا قرأت في الصحيفة ذات صباح. تذكرت حينها "أرض النفاق" وهي رواية كتبها يوسف السباعي منذ سنين عديدة صور فيها نفسه متجولا في شارع وإذ به يرى لافتة معلقة على حانوت صغير كتب عليه "تاجر الأخلاق بالجملة والقطاعي". صدمتني الرواية عندما قرأتها في صغري لأنها تخالف كل ما تعلمته في المدرسة من أخلاق.  وها أنا اليوم أستعيد صدمة الماضي عندما قرأت إعلان الوزير ومفتي الجمهورية عن مادة جديدة تسمى الأخلاق في كتاب يكون مقررا على الطلاب العام القادم.

          عدت بذاكرتي إلى الماضي أستحضر فيه أسئلة وجهتها إلى أبي، وهو من رجال التعليم في الماضي الجميل، سألته هل يوجد هناك تجارة للأخلاق، هل ما كتبه يوسف السباعي حقيقي، هل تستطيع أن تدلني على هذا التاجر كي أبتاع منه ما يكفيني من الشجاعة والبطولة حتى نهزم أعداءنا ونعيد أرضنا المحتلة. كان هذا هو هدفي: أن أهزم الأعداء. وذهبت إلى المدرسة أشارك زملائي فيما قرأت فأخذنا نحلم بهذا التاجر لنشتري لأنفسنا قدرا من الشجاعة تمكننا من هزيمة الأعداء. هكذا كنا نفكر، ولم يتطرق إلى تفكيرنا نحن الصغار أن نشتري قدرا من القوة تمكننا أن نستولي بها على بنك فنصبح أغنياء بين يوم وليلة، فنشتري الحلوى واللُّعَب لنأكل ونلهو. كان لنا هدفا واحدا مشتركا، وكنا نفكر فيما ينفع الوطن، وكنا نعي جيدا أن من يسرق يصير لصا، وأن اللص يعيش خائفا وجبانا ينفر منه الناس أينما ذهب. هذه كانت أخلاقنا بغير مادة للأخلاق.

          جاء اليوم الذي نكتب فيه الأخلاق في ورق ثم نبيعه للطلاب! وكأن الأخلاق هي شيء منفصل عن الدين والعلم والعمل. سؤال بسيط أطرحه على واضعي منهج الأخلاق ألا وهو كيف نضرب مثلا للشجاعة أو الأمانة أو الكرامة أو السماحة أو التضحية دون أن تكون هذه الأمثلة من التاريخ الإسلامي أو المسيحي؟ هل يوجد في التاريخ الوثني أمثلة كاملة لهذه القيم؟ هل سيكتفي واضعي هذا المنهج بتعريف هذه القيم دون أمثلة من التاريخ أو دون تطبيق؟ هل تكون هذه القيم على شكل افعل ولا تفعل، هذا صواب وهذا خطأ دون قاعدة قيمية أو أخلاقية؟ أسئلة كثيرة لا أدري لها إجابة وأظن أنهم أيضا لا يعرفون لها إجابة.

          وإذا قلنا في كتاب الأخلاق الجديد أن السرقة حرام، فسوف تقودنا فطرة الطالب إلى السؤال عن ما هو الحرام؟ فيجيبه مدرس الأخلاق هذا ليس من تخصصي فلا توجد له إجابة في منهج الأخلاق، اذهب إلى مدرس الدين، يجيبك على هذا السؤال، فهذا في تخصصه! وإذا قلنا في كتاب الأخلاق الجديد أن السرقة خطأ فادح، فسيسألنا الطالب لماذا تكون السرقة خطأ؟ فبماذا يجيبه مدرس الأخلاق، هل سيقول له لأن وزارة التربية والتعليم تقول أن السرقة فعل خاطئ، وأن تبرير هذا الخطأ أو الإجابة على هذا السؤال يكون في حصة الدين. أتخيل أن وزير التربية والتعليم يرى أن يكون السؤال في حصة الأخلاق والإجابة في حصة الدين، ولكنى لا أتوقع أن فضيلة المفتى يوافقه على ذلك! ولكن هذا ما حدث.

         وإذا اكتفى واضعو منهج الأخلاق بالمعاملات، كجرم الغش مثلا، فسيكون للطالب نفس السؤال: لماذا يكون الغش خللا أخلاقيا؟  فبماذا تكون الإجابة؟ أما إذا اقتصرت مادة الأخلاق على تعليم الطلاب (الإتيكيت) أو الآداب المتعلقة بالملبس وطريقة الأكل والشرب والكلام والنظافة، فهذا كله مفصل في الدين ولقد أخذه الغرب عنا فتقدم وتفوق فيه، وأهملناه نحن عندما اقتصر الدين على الشكل وترك الجوهر.

          والآن نتحدث عن مادة الدين، كيف ندرسها والأخلاق جوهرها؟ هل ننزع عن الدين أخلاقه؟ هل نكتفي بتعليم الطلاب كيفية الصلاة في درس الدين، ولا نقول له أن المصلي لا يغش، ولا يكذب، ولا ينافق، لأن الغش والكذب والنفاق من شأن درس الأخلاق. الأخلاق جزء لا ينفصل عن الديانات الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام، حتى جاء الإسلام فتمم مكارم الأخلاق وصدق على ما جاءت به الديانات السابقة وأظهرها في أكمل صورها. والأخلاق هي محل اتفاق كل الديانات السماوية، فكيف نفصلها عن الدين، وكيف نفصل الدين عنها؟

          أرى أن تكون الأخلاق والمعاملات بابا في كتاب الدين الإسلامي والمسيحي، فهذا مقبول ومنطقي. كما أرى ألا نكتفي في كتب الدين بشرح العبادات، بل يجب علينا شرح المقاصد والغايات من ورائها، وأن نبسط للطلاب لماذا نصلي، لماذا نبتعد عن الغش، لماذا نحب الأمانة والنظافة والصدق والشجاعة والتسامح. يستطيع معلم الدين أن يبسط كل هذه الفضائل، كما يستطيع معلم العلوم أو الرياضيات، ومعلمو اللغات، أن يهذبوا أخلاق الطلاب عن طريق موضوعات دراسية وقصص تحبب الطلاب في القيم والأخلاق. وذلك يتم بدون كتاب منفصل للأخلاق يشكل عبئا جديدا على الطلاب. نحن لسنا في حاجة إلى أسفار جديدة يحملها الطالب ولا يعيها، وتتحمل نفقاتها الدولة بلا عائد وبلا مردود أخلاقي أو مادي. نحن بحاجة إلى أخلاق فعلية يراها الطالب في مُدَرِسه نموذجا يحتذى، فيقلده لأنه يحبه، كما يقلد أبيه وأمه لأنه يحبهما، فلا يجد الطالب فارقا أخلاقيا بين ما تلقنه إياه أسرته بالمنزل وما يتعلمه من مدرسيه في الفصل، ويكون هذا في انسجام واتفاق شفهي وفعلي بين البيت والمدرسة بدون كتاب وورق وأسفار لا يعيها الطالب ولا يقتنع بها المدرس والبيت.

          الصدق سيد الأخلاق، تعلمنا هذه العبارة في الصغر. ولقد كبرنا الآن ونستطيع أن نفهم لماذا تربع الصدق على عرش الأخلاق. فهل يقول لنا الوزير والمفتي ما هو السر وراء فصل الدين عن الأخلاق؟ لقد أكثرت من الأسئلة وأسرفت في استخدام علامات التعجب لأعرف هذا السر، وإن كنت أعرفه وتعرفونه. فأنا تنقصني فضيلة الشجاعة كي أجيبكم عما أعرف، أو قد تنقصني فضيلة الصبر عن الإجابة، فربما تجيء إجابتي مُطَوَّلة في كتاب أبغضه عن الأخلاق، خاصة إذا كانت هذه الأخلاق بلا دين.

 نشرت في دنيا الوطن 13-05-2010

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2010/05/13/197931.html

24‏/04‏/2010

جودة التعليم وتعليم الجودة. د. رضا علي حسن

الصورة دائما مختلفة لدينا نحنُ المصريين، فعندما نريدُ الإصلاح نتكلم عن الجودة، وعندما نريد الجودة نسميها الرقيّ! وأصل الشيء أن نسميه باسمه، ويكون هذا الاسم معبِّرًا عن معنى، له مدلول نفهمه حتى نستطيع التعامل به ومعه. وكذلك تكون جودة التعليم عندنا في مصر، وهو مصطلح جديد شاع حديثًا في الأوساط التعليمية منذ عدة أعوام قليلة. فهل قصد مبتدع هذا المصطلح أن التعليم عندنا في خير وسلام، والهدف هو الارتفاع به قليلًا كي يكون جيدًا؟ أم قصد به أن الهدف هو جودة التعليم، أي أن التعليم لدينا لم يكن جيدًا من قبل، والهدف هو تطويره كي يكون جيدًا؟ أم أن - المبدع الملهم - لا يعرف معنى التسمية، ولا يعرف لها هدفًا محددًا، ولا يعرف معنى التعليم، ولا يعرف الهدف منه؟ وأغلب الظن أنه يجهل أيضًا أن التعليم لدينا ليس جيدًا، وأنه دائمًا يؤكد أن التعليم بصحة لا بأس بها. وإن كل المطلوب أن تكون الصورة حلوة براقة، تلفت الأنظار إلى حلاوتها من شدة لمعانها، فنصفق مبهورين بها، ونهدأ بالًا، ويكون كل شيء على ما يرام لأن الصورة تنطق بذلك من فرط حلاوتها. والصورة دائمًا مختلفة لدينا، نريدها براقة زاهية، نتجمل بها ونتغزل فيها ونعبدها، ونكرهها صورة معبِّرة، واصفة، كاشفة، أو صادمة.

          إن مصطلح "جودة التعليم" هو مصطلح غير دقيق، لا يعبِّر عن واقع التعليم المؤلم، ويعكس في طيّات كلماته عدم دراية بهذا الواقع، لأن الكلمات ببساطة لا تعبِّر عن مشكلة التعليم في مصر، ولا تعترف بها، بل تتهرّب منها وتواريها. ومشكلة التعليم في مصر واضحة للتلميذ قبل المعلّم، وللجاهل قبل الجهبذ. فكيف تكون غائبة عن واضع التعبير؟ وأغلب الظن أن المشكلة واضحة أمامه، ولكنه إما لا يعرف لها حلًّا، أو لا يدري بها أصلًا. فيكون الحل باختياره لكلمتين رنّانتين لهما إيقاع جميل على الأذن، وليس لهما مفهوم واضح محدّد، فيُخفي هذا التعبير مشاكل التعليم، ويبتعد عن تفاصيله المريرة، وتكون الصورة براقة، ويكتفي بالصورة البراقة حلًّا، ويبقى الحال كما هو عليه، أو يزداد سوءًا، فالصورة البراقة هي الهدف، وهي الحل لكل مشاكل التعليم. ويأتي بعد ذلك كله تفاخر بنجاح وهمي، وأحاديث عن قدرات وهمية لأصحابها، وتباهٍ بإمكانات ورقية ليس لها صلة بالواقع، وأموال طائلة يتم تبديدها في طلاء الصورة بألوان زاهية تحافظ على لمعانها متجددة كل يوم.

          مشاكل التعليم معروفة لدينا، ولن أطيل في وصفها. وتتلخّص هذه المشاكل أولًا في إدارة التعليم واختيار القائمين عليه، وتحديد أهدافه القومية التي تعود على الأمة بالنفع، فضلًا عن أهدافه الفردية التي تعود بالنفع على شخص المتعلّم. والهدف الثاني جزء لا ينفصل عن الهدف الأول، فرُقيّ الفرد ورفع مستواه التعليمي، وبالتالي مستواه الاقتصادي، هو السبيل لتحقيق الهدف القومي الأول، بل هو جزء من غايته. ثم تأتي بعد ذلك مشاكل ثانوية، مثل كثرة أعداد الطلاب، ومحدودية الأماكن والإمكانيات التي تستوعب هذه الكثرة. باختصار، كانت هذه هي مشكلات التعليم في مصر، وهي مشكلات غاب عنها الحل حتى تفاقمت وتعقّدت، فرسب التعليم وازداد فشله، ورسب معه القائمون عليه من مخطّطين، ومنفّذين، ومدرّسين، وطلاب. وكانت النهاية الصادمة هي رسوب المجتمع أيضًا، فساءت الأخلاق، وساد التسلّق والتملّق. وأصبحت كلمة "التعليم" فارغة المعنى والمدلول، وتحوّلت إلى صورة يحاول القائمون على أمرها تجميلها وتزويقها بمبانٍ تعليمية أنيقة، وأجهزة تكنولوجية ليست للاستخدام، وشجيرات وورود، ولوحات ورقية زاهية الألوان، وملايين الجنيهات تُصرف هباءً منثورًا من أجل  زيارات تُفتتح بها أبنية تعليمية جديدة، أو زيارات مفاجئة يراقبون بها العاملين في هذه الأبنية. والنهاية، لا شيء. صورة نزيّنها لنزيفها، وننفق عليها كثيرًا لنواري بها عجزنا عن الإصلاح الحقيقي للتعليم، بينما الواقع يدل على شيء آخر نعرفه جميعًا، وهو ازدياد الفشل في التعليم، وفي كل شيء آخر يتبعه في مؤسسات الدولة كافة.

          يتبيّن لنا من ذلك العرض المبسّط لمشكلات التعليم في مصر أن "الجودة" كلمة وهمية يُراد بها تجميل، أو قل تزييف، واقع فاسد ومفسد، وأن الكلمة التي ينبغي علينا استخدامها هي "إصلاح التعليم" أو "إحياؤه من جديد". وإصلاح التعليم ممكن، ولكن لا بد له من عدة شروط. أول هذه الشروط أن ينبذ القائمون على التعليم الصورة الزائفة لجودة التعليم التي رسموها لأنفسهم، وأن يتعلّموا هم من أهل العلم الحقيقيين كيف يكون الإصلاح، ثم كيف تتحقّق الجودة بعد الإصلاح. والشرط الثاني أن يتفهّموا أننا لسنا بحاجة إلى خطط إصلاحية مستوردة من الغرب، تتناسب مع ثقافة الغرب ومع مشكلات التعليم لديهم. نحن بحاجة إلى عقل مصري يخطّط، وخبرة مصرية تنفّذ، ولا بد أن يكون أهل العقل والخبرة من المثقفين والتربويين من منتجي الفكر والثقافة، وليس من التكنوقراطيين الذين يتعاملون مع المتعلّم بمفهوم المنتج النهائي، مثله مثل علبة طعام أو آلة كهربائية! ويخالف مفهوم المنتج النهائي طبيعة تربية الإنسان وتعليمه، فهدف التعليم هو تربية الفرد للرقيّ بخلقه، ثم علمه، من أجل حماية المجتمع وضمان استقراره، حتى لا يكون هناك متعلّم بلا خلق، أو فرد له خلق ينقصه العلم وتنقصه الخبرة، أو من ليس له علم ولا خلق. وهذه الأمثلة الثلاثة هي السائدة الحاكمة، نراها في كل موقع، وفوق كل كرسي في مؤسساتنا، وهي التي أدّت إلى الفساد، عن قصد أو عن غير قصد

          نظام "جودة التعليم" أو "ضمان الجودة (Quality Assurance) "من الغرب، ولم نفهمه في سياقه، كما لم نفهم أسبابه وأسباب تطبيقه عندهم. جاء هذا النظام ليقدم الحل لمشكلة كبيرة كانت تؤرق القائمين على التعليم، وهي عدم توحّد الأنظمة التعليمية في الجامعات والمدارس، فمنها الخاص، ومنها ما تدعمه حكومة الولاية، ومنها ما تدعمه الحكومة الفيدرالية. وأدى هذا التفاوت إلى اختلاف بعض الإمكانات التعليمية من مكان إلى آخر، وفقًا للطبيعة الجغرافية أو الطبيعة المتعلقة بالسياسات التعليمية المختلفة من ولاية إلى أخرى. فكان الحل هو تبنّي نظام ضمان الجودة، حتى تتساوى كل الإمكانات التعليمية في جميع الولايات الأمريكية، على اختلاف طرق تمويلها، وحتى تتساوى جميعها عند قياس جودة التعليم. ونرى دائمًا نتيجة هذا القياس على هيئة ترتيب الجامعات أو المدارس في قوائم معلنة كل عام، وهذا الترتيب يعكس دائمًا النشاط العلمي للمؤسسة من حيث الأبحاث والنشر ومدى المساهمة في رُقيّ العلم والمجتمع. ونفهم من هذا النظام أن جودة التعليم كانت قائمة، وكل ما هنالك هو ضمان توحيد أسبابها وعناصرها في جميع الولايات، بما فيها من نظم مختلفة، وذلك من أجل الوصول إلى نظام واحد يضمن استقرار الجودة واستمرارها والرقيّ بها، وفي النهاية قياسها بمعايير ثابتة عادلة معروفة لدى الجميع، وبالفعل حقق هذا النظام هدفه العادل.

         ونظام ضمان الجودة في الغرب له أسس تاريخية قديمة بدأت منذ بداية الثورة الصناعية، فكان الشاغل الأول منذ بداية الإنتاج الآلي هو توافر آليات ثابتة تضمن معايير محددة للمنتج الصناعي، ولن تتحدد هذه المعايير إلا وفق معايير محددة للإدارة، والمنشآت، وساعات العمل، وأداء العمال وانضباطهم. وتبلورت هذه المعايير مع بداية الحرب العالمية الأولى واستمرت حتى الحرب العالمية الثانية لضبط إنتاجية العمال وزيادة الإنتاج الصناعي. وكانت معظم هذه المعايير للتحكم في الجودة (Quality Control) من أجل سرعة وكفاءة الإنتاج. والتحكم في الجودة هو نظام يراقب ويختبر عيوب المنتج الصناعي ويحدد أوجه القصور فيه، فضلًا عن تحديد المسؤول أو المتسبب في هذه العيوب. أما نظام ضمان الجودة، فهو نظام يحاول ضمان الجودة عن طريق تحسين الإنتاج ورفع كفاءته واستقراره عند حدٍّ مرضٍ، وتصب وآلياته في تجنّب أو تقليل العوامل التي تعوق الإنتاج. وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية ودُمّرت العديد من البلاد، ومنها اليابان، قام الجنرال (دوجلاس مكارثر) قائد القوات الأمريكية المحتلة لليابان بتكليف خبيرين أمريكيين بتطوير نظام حديث للجودة لتطبيقه في إعادة بناء اليابان، ونجح هذا النظام بالفعل في بناء اليابان الحديثة. وتطوّر هذا النظام ليشمل عشرة أنشطة صناعية وتجارية وتنفيذية، مثل أنشطة التصميم، والخدمات الإدارية والبنكية، وآخرها التعليم. ويُستفاد من هذه النبذة التاريخية أن أنظمة التحكم في الجودة وضمان الجودة هي أنظمة جاءت لتقدّم حلولًا لمشاكل معيّنة في بلدان لها طبيعتها الخاصة وتركيبتها المختلفة. فقاموا ببناء أنظمة تساعدهم على حل مشكلاتهم بما يتفق مع ثقافتهم وإمكاناتهم وأهدافهم الوطنية أو الاستعمارية.

          هذا النظام هو نظام رائع، يتفق مع التعليم في الغرب، حيث تتوفر الجودة بعناصرها وأسبابها لدى الجامعات والمدارس. وجاء هذا النظام ليضمن استقرار التعليم الجيد في الأصل، وذلك عن طريق توحيد شروط قياسية عامة عادلة تنطبق على كل الدور التعليمية. نحن الآن نتبنى نظامًا أمريكيًّا وضعه الأمريكيون لحل مشكلة تعليمية لديهم. هذا النظام افترض جودة التعليم أساسًا له، وكان هدفه توحيد معايير ثابتة تضمن استقرار التعليم ورُقيّه في أمريكا. ونحن الآن نريد تطبيق معايير الجودة الأمريكية على التعليم المصري، ومثلنا في ذلك كمثل من يرتدي بذلة غالية الثمن، غاية في الأناقة، يذهب بها مزهوًّا ليحرث أرضًا بورًا في صحراء. ليس المهم هو زرع الصحراء، ولكن الأهم أن تلتقط الكاميرات صورًا ملوّنة لصاحبنا الأنيق هذا وهو في طريقه للذهاب، وهو يغرس نبتة واحدة من أجل صورة تُنشر في الصحيفة، ولا يصوّر لنا المصوّر كيف ماتت النبتة من أشعة الشمس الحارقة قبل أن يصل صاحبنا الأنيق بسيارته المكيّفة إلى مكتبه في الوادي، ينفض عن نفسه وسخ الصحراء.

          نحن لدينا مشكلات تتطلّب إصلاحًا جذريًّا، تبدأ بعدم وجود مقعد أو مكتب يجلس عليه المدرّس في المدرسة أو الأستاذ في الجامعة، ومكتبة بها كتب يقرأ فيها المدرّس قبل الطالب، وفصلٍ جيّد التهوية يتّسع لمائة طالب أحيانًا، وصنبور ماء نقيّ في المدرسة والجامعة، ومرتبٍ يفي باحتياجات المدرّس أو الأستاذ الجامعي وأبنائه من الطلاب، كي يعيش عيشةً كريمةً بعيدةً عن مهانة الذلّ، وأخيرًا مناخٍ حرٍّ عادلٍ يسمح بإبداء الرأي أو التعبير. فكلّ من يُبدي رأيًا، أو يصف قصورًا، أو يشكو قسوةً، فهو كاذبٌ أو متآمرٌ أو مجنون.

          نحن نفتقر إلى الهدف التعليمي القومي الذي يضمن لنا أمن المجتمع والفرد. فكل أهدافنا الآن ليست تعليمية، وتتلخّص في كيفية ملء مدرّجات الجامعات والمدارس الخاصة بالطلاب، ليزداد دخلها ويزداد دخل أصحابها، وفي كيفية خصخصة التعليم في الجامعات الحكومية أو غلقها، لكي يذهب الأساتذة قبل الطلاب إلى الجامعات الخاصة، لزيادة أعداد الطلاب بها وحلّ مشكلة قلّة أعضاء هيئة التدريس في هذه الجامعات. والأولى أن يطبّق القائمون على التعليم مبادئ الجودة على الجامعات الخاصة، فتكون شروط القبول في الجامعة الخاصة هي ذاتها الشروط التي يلتحق بها الطلاب في الجامعة الحكومية. هذه الشروط العادلة هي أساس معايير الجودة، وهي متحقّقة في أمريكا، مهد الجودة ومهبط وحيها.

          هل نستطيع تقييم حجم الخطر على المجتمع عندما لا يستطيع طالبٌ الالتحاقَ بكلية من كليات القمة، مثل كلية الطب، من أجل فارق نصف درجة عن المجموع المطلوب، وفي الوقت نفسه يذهب الطالب الغبي، ابن أبيه الثري، إلى كلية الطب في الجامعة الخاصة بمجموعٍ يقلّ عن مجموع الطالب المتفوّق، ابن أبيه الفقير، بنسبة عشرين في المائة أو أكثر؟ ثم يتخرّج الطالب المتفوّق محطّمًا من كلية أخرى لم يكن يرغب بها، ويتخرّج الطالب الغبي جاهلًا، ولكنه مزهوٌّ بنفسه وبأموال أبيه، من كلية لم تؤهّله قدراته العقلية لها، ليخرّب في الوطن بجهله وحماقته. هذه أمثلة متكرّرة لأبناء الوطن أفسدها نظامٌ تعليميٌّ فارقٌ فاسدٌ، بعيدٌ كلّ البعد عن التربية والتعليم؛ طالبٌ نابهٌ قتل التعليمُ نباهته، وطالبٌ آخر زاد التعليمُ من جهله وغروره، بدلًا من أن يقومه ويثقّفه. ولا نستطيع التنبّؤ بما يمكن أن يحدث في مجتمعٍ غير متّزن، يكون فيه نظام التعليم الفاسد أساسًا لعدم اتزانه.

          إن جودة التعليم، أو النظام المتّبع في تطوير التعليم في مصر – إن سمّيناه نظامًا – هو أداة لهزّ الثقة في المؤسسات التعليمية، في المدرّسين وفي أساتذة الجامعات، وفي قدرة التعليم الحكومي على إصلاح عيوبه، حتى يستقرّ لدى الرأي العام أن هذه المؤسسات هي مؤسسات فاشلة، فيتمّ خصخصتها. وهي نفس الخطة التي تتكرّر كلّ يوم عند بيع مصنع أو شركة منتجة. فتكون الصورة هي الجودة، والهدف هو الخصخصة والتجارة بالعلم والعلماء.

          إصلاح التعليم هو الهدف الأول إن خلصت النوايا، والسبيل إلى ذلك معروف ومضمون – ولن أكون مبالغًا إذا قلت إن إصلاح التعليم ممكن، بل سهل. يمكن أن يتحقّق الإصلاح في غضون سنوات قليلة، بمالٍ مصريٍّ قليل، وبخبرةٍ مصريةٍ خالصة، فلدينا المفكّرون والمثقّفون والخبراء الصادقون الواثقون، وهم على علمٍ تامٍّ بما ينبغي أن يفعلوه ليحقّقوا الإصلاح، ثم الجودة وضماناتها. وهم على وعيٍ تامٍّ بدور التربية في استعادة القيم، ودور العدالة أساسًا للتربية، تربية الطالب والمجتمع. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن هؤلاء مفكّرون مثقّفون وخبراء مخلصون، يحبّون العلم والعمل، ويجيدون التخطيط العلمي والتنفيذي، ويكرهون عدسات التصوير، وضجيج التصفيق والتهليل. من يأتي بهم ومتى؟! سؤال له إجابة: إنهم قادمون لا محالة.

18‏/04‏/2009

قصة مُفبركة د. رضا على حسن

 يحكى أن طبيبا ثريا ملأت شهرته الآفاق، كان طفله يعاني من مرض فتاك، وكان هذا الطبيب متخصصا فى علاج هذا المرض، ولكن كلما تراوده فكرة علاج ابنه، يحجم عن علاجه رغم إلحاح أفراد أسرته كثيرا، كي يكتب لأبنه الدواء عسى أن يكون فيه الشفاء. وفى نفس الوقت يمنع الطبيب زوجته من أن تعرض ابنه على طبيب آخر مخافة أن يقول الناس قد عجز الأب المشهور عن علاج ابنه، بينما نجح طبيب آخر فى علاجه.  وقد حار الأهل والأصدقاء فى أمر هذا الطبيب، فهو يتألم غاية الألم لمرض ولده، وفى نفس الوقت لايقدم على وصف الدواء له، ولا يريد له علاجا عند طبيب آخر. وأصبح هذا الأمر حديث الناس، وصاحبنا على حاله مصرا على موقفه الغريب. ومن شدة معاناة الطبيب النفسية، باح بالسر إلى أقرب أصدقاءه عندما فاتحه هذا الصديق فى موضوع العلاج، وعرض عليه أن يقوم هو بعرضه على أطباء آخرين رحمة بالطفل، طالما أن أباه، الطبيب المشهور، عاجز عن علاجه. فكشف الأب لصاحبه عن نفسه، فهو لايثق فى نفسه كطبيب يستطيع أن يقدم العلاج لابنه، ويخاف كل الخوف أن يفشل فى وصف الدواء فيموت ابنه، ويعيش باقى عمره يتجرع مرارة الفشل والندم. قال له صاحبه كيف هذا وأنت طبيب مشهور وأنت صاحب مستشفى من أكبر المستشفيات فى البلاد. فاندهش الصديق عندما استمع الى إجابة الطبيب، قال الطبيب لقد ورثت هذه المستشفى عن أبى، الطبيب أستاذ الجامعة، كما ورثت عنه منصبى كأستاذ جامعى أيضا، وشهرة المستشفى لا ترجع لكفائتى كطبيب، بل يرجع الفضل لمن يعمل معى من أطباء وجيش من الإعلاميين الذين يروجون للمستشفى ويجملون صورتها. ولكنني لست كفئا لعلاج ولدى، فلقد بدل أبى درجاتى الراسبة عندما كنت طالبا عنده فى كلية الطب بدرجات عالية كى يتم تعينى فى درجة معيد وأرث منه المنصب والمستشفى والشهره وكل شيئ، وعاونه على ذلك زملائه المنافقون، فأنت تعلم منصب أبى فى تلك الجامعة. وعُينت معيدا بالفعل، بعد أن رفعتنى درجاتى فوق من يستحقونها من الطلاب المتفوقين المظلومين، فأخذت مكانا ليس لي، وورثت مهنه لا أستحقها ولا أجيدها. وجاء امتحان ربي لي فى تخصصى وفى فلذة كبدى، فلا استطعت أن أُقدم له الدواء، ولا استطعت أن أعرضه على طبيب آخر، خشية أن يفتضح أمرى وأنا الطبيب المشهور ملء السمع والبصر. ولقد أعطانى أبى ما لا أستحق بجرة قلم أسود رفع بها درجاتى فرفعتنى إلى أعلى الدرجات، وها أنا أرى حساب الله لأبى في نفسي وفي حفيده!  انتهت القصة شديدة الشبه بأفلام تصنعها الهند!

          وبدأت قصص شعبية أخرى يرويها كل الناس لمواساة طالب متفوق حرم من مكانة تُناسب درجة تفوقه، فاحتلها آخرون كل مؤهلاتهم أنهم أبناء آبائهم، أو موظف فى مصلحة ما، يستحق منصبا متميزا نظرا لكفائته ونزاهته، فذهب المنصب إلى من لا يستحق من أبناء الأقارب أو أبناء المال، أو مسكين يتقدم لوظيفة يستحقها ويحتاجها لكي يعول بها نفسه وأهله، فتذهب لأولى القربى وأصحاب النفوذ. وهكذا كانت تروى القصة لمواساة هؤلاء المظلومين، كي يرضوا بحالهم، ويقنعوا بما قسمه الله لهم. والقناعة دائما هى الحل، وبعدها يأتى الحمد على دوام الحال والصحة. ويتناسى المظلوم ظلمه وظالمه، ويعود له توازنه النفسي وراحة البال، بعد شعور مرير بالظلم، ووأد بغيض لهِمَّةٍ وطموح. وينسى هؤلاء المظلومون أن القصة الشعبية مفبركة - بل تبدو أسطورية-  لجلب الراحة النفسية ليس إلا، ففيها موقف مأساوى مـتأزم، وفيها اعتراف بالخطأ، وندم على فعل قبيح، وعقاب إلهي في دنيا تميزت بأنها خلت من كل عقاب لمن له ظهر يحميه. وينسى الناس أيضا أنا الواقع يخالف ماجاء فى القصة، حتى لو كانت صحيحة، فهناك نقود تذهب بحاملها إلى أي مكان للعلاج، وتعود به بإذن الله شافيا معافى!

          هكذا هو الحال دائما مع "الواسطة"، داء أسطوري أصاب المجتمع المصري منذ عهد فرعون، تكون ضحاياه من غير الأقارب، أو من ليس لهم مال. ويكون العلاج دائما دواء يصنعه المظلوم بنفسه، ويتجرعه وهو يعلم أنه علاج غير مفيد، لن يعيد له ما ذهب، ولن يقويه كي يجلب له حق قد ضاع. فدواء البائس هو وهم الشفاء، ثم قناعة، وحمد، وسكينة. كان المصري القديم لايحتمل بطش كهنة فرعون، وكان ينتج القصص المفبركة لكى يقنع بها، لتكون مبررا لبقائه مرفوع الرأس، ففى قناعته رضاء الآلهة التى قدرت الأقدار. وحقيقة الأمر هو الخوف من الكهنة وأصحاب النفوذ، وليس الرضا بالقضاء والقدر والقناعة بالقليل. وذهب عصر الفراعين، وجاء عصر الملوك من الرومان، والملوك من العرب، والملوك من العثمانيون ومن المماليك، والضباط، وظلت الحَظْوَة لأُولي القربى، وأُولي المال، وراجت القصص والملاحم الشعبية لبطولات وهمية، كانت عدالة السماء هى القاسم المشترك فى كل منها. ولم تفلح هذه القصص الشعبية في استئصال داء الوساطة، ولم تقترح حلولا عملية ترد بها الحقوق الى أهلها. ولم يتغير الحال عبر العصور بل زادت الوساطة وتأصلت جذورها، وأصبحت الآن شيئا مقبولا لدى العامة. وفى قبول العامة تكونت مبادئ المجتمع الجديدة "الوساطة والمحسوبية وشراء المناصب والذمم بالمال والنساء". وتلاشت القصص الشعبية التى كانت تمثل حدا أدنى من المقاومة السلبية للوساطة والمحسوبية، والتى كان فى شيوعها إعلانا مقنعا عن الرفض لتلك المبادئ الفاسدة. بل تفاقم الوضع إلى الفخر بالوساطة، والتفاخر بقدرة المال والنفوذ على شراء الذمم. وسأم الناس قصص الرفض المقنعة لعدم جدواها، وأصبحوا يسخرون منها، وينعتونها بالهندية، نسبة للأفلام الهندية التى مازالت تتمسك بإظهار عدالة السماء فى دنيا الأرض، رغم قصور منطق هذه القصص بمدلولاتها الأسطورية.

          واستقر الحال على قبول المبادئ الفاسدة، والعمل بها كآليات مجتمعية بديلة عن النظالم الحقوقي الصحيح. وقد قبلها العاملون بها وأصبحت نوطا للشرف والأبهة الإجتماعية حتى أعتلت عبارة  "انت مش عارف انت بتكلم مين" عرش الوجاهة الاجتماعية.  وتقبلها المتظلمون منها أمرا واقعا، بل أخذ المظلوم يبحث له عن وساطة ترفعه إلى ما كان يرفعه له جهده وعمله، قبولا منه لذات المبادئ التى حرمته من حق كان له! وغَدَا يردد هو الآخر عبارة الوجهاء، لعله يفلح أن يكون واحدًا، منهم ولو لم تكن له وجاهة من واسطة أو مال، يجربها ربما يأخذ بها حقه المسلوب. وضاعت وجاهة المجتمع الحقيقية، عندما ردد كل منهم تلك العبارة، ورد كل واحد منهم على الآخر بعبارة مضادة  "تطلع مين انت يابن الـ...." وسقط الجميع في بئر الوجاهة الزائفة، ظالمُ ومظلومُ!

          الأمر أبعد من ذلك بكثير، فإرساء المبادئ الفاسدة الجديدة قيمًا اجتماعية للترقى والوصول إلى درجات عالية هوى بالوطن إلى قاع بئر عميقة، كلما حاول أحد الخروج منها انزلقت قدماه بفعل طحالب الوساطة الآسنة على جدران البئر. وحدها الطحالب هى القادرة على تجاوز القاع إلى فوهة البئر لتستنشق الهواء المنعش، ولكنه هواء لايفيدها ولايقويها لأنها لازالت طحالب ضعيفة بحكم تكوينها، فمهما علا شأنها لن تغير من طبيعتها الطحلبية، كل ماتستطيعه هو التكاثر كى تحمى نفسها بكثرتها، وتسد منافذ الهواء عن غيرها. وكذلك انتشرت الوساطة وتفشت، فى دواوين الدولة وهيئاتها المختلفة، حتى تعاقبت الأجيال الطحلبية ضعيفة التكوين على رأس كل قائمة وقاعدة. وهربت الخبرات والعقول الحقيقة إلى الخارج، أو انغلقت على نفسها فى الداخل تتجرع مرارة فشل قهرى فرضته ظروف قهرية مقيتة.

          وفى هذا الصدد، لاتزالُ قصةٌ حقيقةُ لبائع كُتب قديمة فى وسط المدينة تراودنى كل حين، لتذكرنى بطعم مرارة الفشل القهرى. كنت سَائرًا في طريقي، فجذبني منظر الكتب القديمة المصفوفة بعناية على الرصيف، ولم أستطع مقاومة عادة شراء الكتب القديمة، فهى عادة قديمة لي تريح النفس، لأنها تُذَكِرُني ببعض ماض جميل. وجمعت بعضها، وطلبت من البائع شرائها، فكان رده لي مدهشا: خذها يا سيدي بلا ثمن، فليس لها ثمن عندى، وكان شكله جادًا، كأنه يعنى ما يقول. وأَتبع قائلًا، مُفصحًا عن سببٍ زاد دهشتى: انظر ياسيدى إلى هذا الشاب الذى تملأ صوره العملاقة كل مكان فى الشارع، إنه مطرب مشهور فشل فى دراسته، يطرب الناس بجسده لا بصوته، وهو مُتهرب من أداء الخدمة العسكرية، وها هي صوره تملأ الطريق! وأنا خريج كلية عريقة والأول على دفعتى، بل الأول على كل كليات الجامعة، بحكم درجاتى فى ذلك العام، أجلس على قارعة الطريق، أبيع كتب والدي القديمة التى قرأها لي وأنا صغير، فصرت الأول على جامعتي، وأول من يجلس على قارعة هذا الطريق! هكذا قال فى مرارة، ثم أضاف: لم أعين معيدا فى جامعتى رغم أمس احتياجهم لتلك الوظيفة، إنهم كانوا يدخرونها لابن واحد منهم، لم يتخرج بعد، وهو الآن عميد مشهور بالجامعة رغم ما عرفناه من تدنى مستواه العلمي وقصور فهمه وإدراكه. فوجدت نفسي ألجأأ إلى الحيل الأسطورية القديمة، وأواسيه بقصة لا أؤمن بها، ولا مفر من اللجوء إليها كي أخفف عنه ألمه وألمى. وكان مُصرًا على إهدائي ما اخترته من كتب، ربما لأنه تلمس فى قسمات وجهي تعاطفا واهتماما بحالته، فباح لى بما يؤلمه. وزاد أصراره من أصراري على دفع ثمن ما أخذت، وجدتنى أقول له، هذه الكتب القديمة فعلا بلا ثمن يقدر، وثمنها رمزى عندي وعندك، لعلك بهذا الثمن الرمزي تتذكرني وأتذكرك في عالم سماوي آخر عادل، يكون فيه الشاب المتهرب وراء القضبان، تشمئذ منه الجرذان، ويجلس فيه العميد في حلقة درسك، كي يتعلم من جديد. فضحك وضحكت، وانصرفت إلى شأني مهموما بما سمعت، وتركته لشأنه يتنسم من المارة ما يبدد عنه وحدته فى عالم قاس ظالم.

          هى قصة حقيقة إذا، هوت بمن يستحق الى بئر اليأس، ورفعت من لا يستحق إلى فوهة البئر. وهكذا يكون الحال مع كل متفوق يستحق ثمرة جهد بذله، ويالها من ثمرة مرة، وياله من جهد ضائع!

          قصة مفبركة تقابلها أخرى حقيقية، طبيب رفعته القرابة لما لا يستحق، يعجز عن وصف العلاج، وبائع أخطأته الأيام، يعرض كتبه بلا ثمن لمن يفهمها. واحدٌ أخذ كل شيءٍ، ولا يعطى، وآخر ضاع منه كل شيء ويهب! هكذا هي إرادة الله، عجزُ لمن أخذ بغير حق، وحريةُ لمن ضاع منه كل الحق. توازن عادل دقيق، في باطنه الرحمة والعدل، وفى ظاهرة الظلم والطغيان. وكذلك يكون الحال مع أستاذ وصل بنسبه أو ماله إلى ما لايستحق، فهو يخشى فى قرارة نفسه مواجهة طلابه من المتفوقين، وهو يؤكد على أخطاءه ولا يصححها كلما وقع فيها، حماية لماء وجهه، وخشية افتضاح أمره، كما فعل الطبيب المزيف، أو مزيف آخر مسؤول في إحدى هيئات الدولة، يحمى قراراته الخاطئة بأخرى خاطئة ويتعصب لرأيه الخاطئ، وهو مصر على خطئه، كي يبدو على حق. وهكذا يتمادى الجميع فى الخطأ، فى أصرار يفضح نفسه حتى ضاعت الحرفه والخبرة، وتخبطت الخطة، وانحط الهدف، فضاعت الهيبة، وزادت الخيبة. والقصة فى الأصل مفبركة، وكل قصة مفبركة يقابلها أخرى حقيقية، في توازن إلهي عادل دقيق، وإن كان يوم الحساب لبعيد.

نشرت في دنيا الوطن في 2009-04-18     

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2009/04/18/162664.html   

x

12‏/10‏/2008

هل العلمانية هي الحل؟ د. رضا علي حسن

 تطل علينا هذه الأيام صور إعلامية ملحة تسدعى من الذاكرة قضايا ومفاهيم مربكة، شغلت العقل الإسلامي والعربي كثيرا، ولاتزال ترهقه، حتى تمزق وترهل. تمثلت هذه الصور فى مجموعة من الأحداث المرئية، مثل صور الأعلام التركية الحمراء التى رفرفت وتكدست فى أهم ميادين  تركيا، حيث طالب رافعوها باحترام العلمانية بوصفها مبدأ للدولة التركية الحديثة، والمطالبة بعدم ترشيح "غل" نفسه رئيسا للدولة، لكونه مسلما، وصور المطالبات بارتداء الحجاب فى فرنسا تحقيقا لمبدأ الحرية، وإهانة وزير الثقافة المصري للمحجبات،  والهجمات المتتالية على الرسول، وسبل الرد المختلفة من قبل المسلمين، والقبض على بعض رموز الأخوان المسلمين فى مصر، ويسبقها مطالبة بعض أعضاء البرلمان المصري بعدم تبنى شعارات دينية انتخابية سبيلا بالفوز بقلب الناخب المسلم قبل عقله، وأخيرا مصافحة شيخ الأزهر لبيريز وتبريره لذلك بعدة طرق ملتوية خلط فيها السياسي بالدينى. تستدعى هذه الصور المتتابعة - أو يمكن اختزالها – فى ثنائيتين متجاذبتين: العلمانية والدين، وما تحويه هذه الثنائية من مفاهيم مربكة وخلط فكري فرضته التبعية الحضارية للغرب، أو اقتضته إشكاليات الحداثة في الشرق بديلا من الدين، ودينا للتقدم.

          وما يعيب ثنائية العلمانية والدين، هو استغلال المبادئ العلمانية، لفرض أيدلوجية علمانية طاغية، تلغى الآخر، وتهمش دوره، وتشكك في نواياه الوطنية. ومَكْمَن العيب هو تبنى العلمانيون لمفاهيم علمانية طاغية، بحجة حماية العلمانية، وهى ذاتُها نفس المفاهيم الدينية الطاغية التي طالما حاربها العلمانيون، وهدموا من أجلها  حضارات وثقافات. وبدا المشهد للمتابع المدقق واضحا، ومفاده هو العلمانية هي الحل بديلا عن شعار الإسلام هو الحل. فجاءت العلمانية بديلا عن الدين، وطالب أتباعها بفرض مبادئهم، متناسين أن هذه المبادئ العلمانية ذاتها جاءت كردة فعل لكف محتكري الدين عن فرض آرائهم! كما تناسى العلمانيون أن مبادئهم تلك تكفل لهم حق تجربتها فى السياسة والحياة، وحق من له أى مبادئ مغايرة فى التجربة أيضا، طالما أن لهذه المبادئ الحرة ضوابط ذاتية تحميها، مثل ضوابط المحاسبة والمسائلة. فكل له حق التجربة، فإن أصاب أفلح، وإن أخطأ فشل وحوسب.

          لا أريد الدفاع عن الإسلاميين حين أطالب بحقهم فى التجربة، كما أننى لا أريد الدفاع عن العلمانية عندما أصف مبادئها بالحرة. ولكنى أعرض فقط لوجه الشبه بينهما على مستوى ممارسة المبادئ، وليس على مستوى المبادئ نفسها. والفارق بين المستويين عظيم، فالمبادئ يطبقها أشخاص يخطؤن ويصيبون، فإن صحت وسائل الممارسة عاشت المبادئ، وأصبحت قيما تحتذى، وإن أخطأت ماتت المبادئ وتلاشت القيم. وليس من حقنا بعد ذلك أن نشكك فى المبادئ ذاتها ونرفضها، بل ينبغي علينا رفض وسائل الممارسة غير السليمة وممارسيها. هذا على افتراض أن المبادئ سليمة، تحمل ضوابط ذاتية للتطبيق والمحاسبة والمسائلة.

          فإذا وجبت مقارنة الممارسات العلمانية بالإسلامية فى واقعنا الراهن، قد يتبين لنا أن الممارستين متشابهتان عندما تحتكر كل ممارسة لنفسها الحق وتنفيه عن الأخرى، ويظن الفريق العلماني أنه لا سبيل للتقدم إلا العلمانية وإقصاء الدين، ويتخيل الفريق الإسلامي أنه لاخلاص من مساوئ الحداثة والنفعية إلا بالعودة الى حكم الدين – بأي صورة له ومن بينها الخلافة – ونبذ العلمانية. وأوجه الشبه بينهما هنا هى إرادة الاحتكار، وشطب الآخر، والتشكيك فى نواياه الوطنية. وهذا التباعد أو التباغض يؤدي إلى فشل الممارسات العلمانية والإسلامية على أرض الواقع. وأقصد بأرض الواقع، المجتمع الممارس لهذه المبادئ، من حيث رفضه أو قبوله لها، أو من حيث تأثير هذه المبادئ فيه سلبا وإيجابا إذا فشلت أو نجحت.

          ولهذه المقارنة القائمة على الممارسة الفعلية للعلمانية والإسلام، أسس تاريخية يتوجها الفشل فى كلتا الحالتين. نشأت العلمانية كرد فعل طبيعي معاكس لتحكم الكنيسة أو المؤسسة الدينية في الغرب، وكَره الغرب الحكم باسم الدين وطغيان الكنيسة على العقل والعلم، فتولدت المبادئ العلمانية لإعلاء العقل، وإعمال وسائله، لتحرير الإنسان من سطوة ممارسات الدين الخاطئة، التى سلبت إنسان العصور الوسطى فى أوربا حقه فى الحياة الكريمة الحرة. وللمفارقة الغريبة، كان الفضل في رغبة الأحرار فى أوربا فى تغيير الواقع الديني المتسلط هناك راجعا إلى اطلاعهم على التجربة الدينية الإسلامية، وهى في أوج ازدهارها، عندما أطلقت سلطة العقل فتقدم المسلمون، وأصبحوا مثالا يحتذى فى الغرب! وجربَ الأوروبيون مبادئ العلمانية -  المُستقاه من التجربة الدينية الإسلامية المزدهرة -  وسيلة للحكم، واستُبعدَ الدين عن السياسة، وتقلصت سلطته عليها. ونهضت أوربا عندما نفض أهلها عبء المؤسسة الدينية عن كاهلهم، وتفوقت علميا وماديا. وتنامى مع التفوق الحضارى صراعٌ على المادة، لا يحكمه دين ولا قيم إنسانية سوية، وتفشت العنصرية والطبقية، وتجلت فى احتلال أوربا للعالم وسلب مقدراته بلا رحمة أو شفقة، وركعت المؤسسة الدينية للعلمانية، بل بشرت لها فى العالم المحتل، ورفعت الكنيسة الراكعة للعلمانية شعارات "علما- دينية" جديدة ظاهرها الدين وباطنها المادية العنصرية. وبشرت المسيحية للعلمانية فى المستعمرات، فكان الحرمان والتنكيل والقتل لمن يعارض، وشيئ من رحمة، ولقمة عيش، لمن تمسح وخضع. وكان ركوع المؤسسة الدينية للعلمانية إضعافا لها وعارا عليها وخضوعا منها للعلمانية، إله العالم الجديد. وقبلت العلمانية بخضوع الكنيسة لها، كي تكرس لها استيلائها على العالم، وتبرر بها دورها تحت مظلة الرحمة والهداية والتبشير فى الأراضى المحتلة، شريطة إطلاق يد العلمانية فى الداخل، وغض الطرف عن مساوئها وشرورها فى الخارج والداخل. وحدث فى الغرب والعالم ما نراه الآن من طغيان المادة، واللهثِ وراء ترف الرفاهية، وتبرير الشرور والرذائل، وتغليفها بألوان الحرية والتحرر. ونجحت العلمانية الغربية ماديا، وسقطت روحيا، وهي تسجل الآن سطور موتها إنسانيا، بعد الحروب على الإنسانية فى العراق وأفغانستان بدعوى ظاهرها كره الإرهاب والتعصب الديني، وباطنها النهم المادي.

          ولكى يكتمل الشق الثانى من المقارنة، ينبغي استعراض فشل الممارسة الإسلامية فى الحكم والحياة عبر العصور الإسلامية المختلفة، باستثناء نموذجي  عصر الرسالة والخلافة الراشدة. ففي عصر الرسالة، اقتضت طبيعة الدعوة إلى دين جديد مخالف للمارسات الاجتماعية والاقتصادية والعقائدية فى الجزيرة العربية أن تنشأ نواة الدولة المنظمة فى الإسلام، رغبةً فى نشر الرسالة الإلهية، وحفظًا لاستمرار الدعوة للدين الجديد، دون احتكار للرأي، أو فرض الإسلام على الكفار أو اليهود والنصارى، حتى بعد أن توطدت أقدام الإسلام فى ربوع الجزيرة العربية. وقامت دعوة الرسول، وبالتالى ممارسة الحكم فى المدينة على أسس رحيمة وعقلانية ركائزها:  "لكم دينكم ولى دين" ، "لست عليهم بمسيطر" ، "إنك لن تهدي من أحببت"، "وإنا إلينا إيابهم ثم علينا حسابهم". وهذه الأسس أحسبها مُرضِية للعلماني الحديث بما فيها من إرساء لقيم الحرية ونبذ السلطوية الدينية، وهي ذات القيم التي أرست عليها العلمانية مبادئها وحاربت من أجلها ليتحرر الإنسان من وطأة الممارسة الكنسية الخاطئة فى أوربا العصور الوسطى.

 وسار على نفس هذه المبادئ الخلفاء الراشدون. وأخذت فكرة الدولة فى التبلور والنمو كلما توسعت الدعوة، ونما النظام فيها كلما زادت رقعتها وتنوعت جنسيات تابعيها. وذهبت الخلافة القائمة على العقل والعدل والتقوى، وجائت خلافة قائمة على الحسب والنسب، ومن ثم الاستبداد بالحكم. وبدأت الممارسات الخاطئة للحكم، وبدأ تبرير وجود الحاكم واستمرار نسله فى الحكم تبريرًا دينيًا، حتى تكرست الخلافة المالكة، وغلبت الأطماع المادية واستندت إلى الدين، لضمان المُلك، وبقائه، وتبرير شرعيته. وأريقت الدماء من أجل استمرار حكم الأسر تحت غطاء دينى، وكان ازدهار المُلك الأموي والعباسي ازدهارا سريعًا، مَرده إلى قوة الدفع الكبيرة للإسلام الأول فى العصر الراشد، كما كان سقوطهما مروعا ودمويا. فقَتل أمراء بني العباس أمراء بني أمية تحت شعار "نحن أقرب وأولى بخلافة بن عمنا منكم"، وهو شعار أساسه نسب عائلي نبذته الخلافة الراشدة، وهو ليس شعارًا دينيًا. وقبل ذلك كان ما كان من الأمويين عندما قضوا على علي وولده، وعندما حُصر الإسلام ما بين فكي الخلافة للأرشد أم للأقوى تحت شعارات دينية لضمان الحكم وتبرير البقاء فيه.

وتوالت خلافات باهتة على أمة إسلامية مهزومة بعد الاجتياح المغولي للعباسيين. وسقط الأمويون والعرب فى الأندلس، كما سقط مُلك بني العباس فى الشرق لأسباب بدت دينية، وإن كان باطنها مادي. وضعفت المؤسسة الدينية الإسلامية وترهلت، وانقبض العقل، واستحكمت البدع والخرافات فى الجسد الإسلامي المريض. وفُرِّغَ الإسلام من معناه، وضاع هدفه عندما حولته الممارسات المادية التى أساسها الطمع إلى عصا تأديب يتكئ عليه الحاكم، ويبرر بها وجوده واستمراره. حتى صار الإسلام إلى ما هو عليه الآن، مُمتهنًا من الذين يحكمون بإسمه، ومُمتهنًا من الذين يريدون القضاء عليه، مأسورًا في عباداته وطقوسه، ومغلوبًا على أمره في داخل وطنه وخارجه.

وضحت المقارنة، ومفادها أن العلمانية نشأت عند فشل الكنيسة في أوربا في ممارستها للمسيحية الحقة، وتحقيق ما أراده الله للإنسان من رحمة وعدل ورفاهية. كما فشلت الممارسات الإسلامية فى تحقيق جوهر الإسلام وهو الحرية والعدل والمساواة. ونُسِب فشل الممارسات المسيحية والإسلامية الى جوهر المسيحية وجوهر الإسلام، وتم تحميل الجوهر الواحد للدين الإسلامي والمسيحي كل تبعات الفشل التاريخي لهذه الممارسات فى الحالتين. وكانت نتيجة الفشل في الحالة الأوربية، نبذَ المسيحية بكل ما قدمته للبشرية من مبادئ خلقية سمحة. وكانت نتيجته في الحالة الإسلامية، نبذَ الإسلام وتبني نموذج العلمانية الغربية كاملا من قبل البعض، والتخلي عن النموذج الإسلامي فى جوهره الصحيح، متمثلا فى الحرية والعدل والمساوة، ومن قبلهم إعمال العقل في كافة شؤون الحياة أساسًا للتقدم والازدهار. والنتيجة فى الحالتين هي القضاء على الدين لحساب التحرر المادي بكل تبعاته ورذائله ووحشيته، والقضاء – إن شئنا القول - على العلمانية الدينية فى مفهومها الرشيد وهى تطبيق جوهر الدين للرقي بالإنسان بوسائل علمية مادية، يضبطها العدل والحرية وحق الحياة الآمنة للجميع، دون طغيان لفكرة على أخرى أو لمبدأ على آخر.

والنتيجة فى الحالتين تصب فى صالح اليهود وأتباعهم من الحكام الطامعين من غير اليهود، الذين استغلوا العلمانية لتفتيت المسيحية وتشييع معتنقيها، فغيبوا أهدافها عندما أفلحوا فى طمس معالمها الحقة. وهم ذات اليهود وأتباعهم من غير ملتهم من الحكام، الذين فتتوا المسلمين وقسموهم إلى فرق متناحرة، ومسخوا جوهر الإسلام الحق.

وعندما أخلُصُ إلى هذه النتيجة، لا أرد أسبابها إلى اليهود وتآمرهم على الدين المسيحي والإسلامي من أجل أغراضهم المادية المعروفة تاريخيا، فهم يعملون جاهدين لتحقيق أغراضهم للسيطرة على العالم بتمزيق روح الإنسان، وتشكيكه فى منابع الإيمان، وإغراق جسده فى الرزيلة، وتخدير عقله بمخدر الجنس، وموجات التحرر العابثة. إنما ترجع كل الأسباب إلى قبولنا بالمخطط اليهودي، واستكانتنا له، ودعمنا لأساليبه.

فهل ياترى ينجح علمانيو الشرق تحت شعار: العلمانية هى الحل، أم تنجح بعض التيارات المسلمة تحت شعار: الإسلام هو الحل، أو نقبل بالوضع الراهن المهين، انتظارًا للحل من صانعي العقدة المهرة، فلن يجئ الحل ولن يسعدنا انتظار.  

نشرت بدنيا الوطن في 2008-10-12      

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2008/12/10/152736.html

ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالم...