12‏/10‏/2008

هل العلمانية هي الحل؟ د. رضا علي حسن

 تطل علينا هذه الأيام صور إعلامية ملحة تسدعى من الذاكرة قضايا ومفاهيم مربكة، شغلت العقل الإسلامي والعربي كثيرا، ولاتزال ترهقه، حتى تمزق وترهل. تمثلت هذه الصور فى مجموعة من الأحداث المرئية، مثل صور الأعلام التركية الحمراء التى رفرفت وتكدست فى أهم ميادين  تركيا، حيث طالب رافعوها باحترام العلمانية بوصفها مبدأ للدولة التركية الحديثة، والمطالبة بعدم ترشيح "غل" نفسه رئيسا للدولة، لكونه مسلما، وصور المطالبات بارتداء الحجاب فى فرنسا تحقيقا لمبدأ الحرية، وإهانة وزير الثقافة المصري للمحجبات،  والهجمات المتتالية على الرسول، وسبل الرد المختلفة من قبل المسلمين، والقبض على بعض رموز الأخوان المسلمين فى مصر، ويسبقها مطالبة بعض أعضاء البرلمان المصري بعدم تبنى شعارات دينية انتخابية سبيلا بالفوز بقلب الناخب المسلم قبل عقله، وأخيرا مصافحة شيخ الأزهر لبيريز وتبريره لذلك بعدة طرق ملتوية خلط فيها السياسي بالدينى. تستدعى هذه الصور المتتابعة - أو يمكن اختزالها – فى ثنائيتين متجاذبتين: العلمانية والدين، وما تحويه هذه الثنائية من مفاهيم مربكة وخلط فكري فرضته التبعية الحضارية للغرب، أو اقتضته إشكاليات الحداثة في الشرق بديلا من الدين، ودينا للتقدم.

          وما يعيب ثنائية العلمانية والدين، هو استغلال المبادئ العلمانية، لفرض أيدلوجية علمانية طاغية، تلغى الآخر، وتهمش دوره، وتشكك في نواياه الوطنية. ومَكْمَن العيب هو تبنى العلمانيون لمفاهيم علمانية طاغية، بحجة حماية العلمانية، وهى ذاتُها نفس المفاهيم الدينية الطاغية التي طالما حاربها العلمانيون، وهدموا من أجلها  حضارات وثقافات. وبدا المشهد للمتابع المدقق واضحا، ومفاده هو العلمانية هي الحل بديلا عن شعار الإسلام هو الحل. فجاءت العلمانية بديلا عن الدين، وطالب أتباعها بفرض مبادئهم، متناسين أن هذه المبادئ العلمانية ذاتها جاءت كردة فعل لكف محتكري الدين عن فرض آرائهم! كما تناسى العلمانيون أن مبادئهم تلك تكفل لهم حق تجربتها فى السياسة والحياة، وحق من له أى مبادئ مغايرة فى التجربة أيضا، طالما أن لهذه المبادئ الحرة ضوابط ذاتية تحميها، مثل ضوابط المحاسبة والمسائلة. فكل له حق التجربة، فإن أصاب أفلح، وإن أخطأ فشل وحوسب.

          لا أريد الدفاع عن الإسلاميين حين أطالب بحقهم فى التجربة، كما أننى لا أريد الدفاع عن العلمانية عندما أصف مبادئها بالحرة. ولكنى أعرض فقط لوجه الشبه بينهما على مستوى ممارسة المبادئ، وليس على مستوى المبادئ نفسها. والفارق بين المستويين عظيم، فالمبادئ يطبقها أشخاص يخطؤن ويصيبون، فإن صحت وسائل الممارسة عاشت المبادئ، وأصبحت قيما تحتذى، وإن أخطأت ماتت المبادئ وتلاشت القيم. وليس من حقنا بعد ذلك أن نشكك فى المبادئ ذاتها ونرفضها، بل ينبغي علينا رفض وسائل الممارسة غير السليمة وممارسيها. هذا على افتراض أن المبادئ سليمة، تحمل ضوابط ذاتية للتطبيق والمحاسبة والمسائلة.

          فإذا وجبت مقارنة الممارسات العلمانية بالإسلامية فى واقعنا الراهن، قد يتبين لنا أن الممارستين متشابهتان عندما تحتكر كل ممارسة لنفسها الحق وتنفيه عن الأخرى، ويظن الفريق العلماني أنه لا سبيل للتقدم إلا العلمانية وإقصاء الدين، ويتخيل الفريق الإسلامي أنه لاخلاص من مساوئ الحداثة والنفعية إلا بالعودة الى حكم الدين – بأي صورة له ومن بينها الخلافة – ونبذ العلمانية. وأوجه الشبه بينهما هنا هى إرادة الاحتكار، وشطب الآخر، والتشكيك فى نواياه الوطنية. وهذا التباعد أو التباغض يؤدي إلى فشل الممارسات العلمانية والإسلامية على أرض الواقع. وأقصد بأرض الواقع، المجتمع الممارس لهذه المبادئ، من حيث رفضه أو قبوله لها، أو من حيث تأثير هذه المبادئ فيه سلبا وإيجابا إذا فشلت أو نجحت.

          ولهذه المقارنة القائمة على الممارسة الفعلية للعلمانية والإسلام، أسس تاريخية يتوجها الفشل فى كلتا الحالتين. نشأت العلمانية كرد فعل طبيعي معاكس لتحكم الكنيسة أو المؤسسة الدينية في الغرب، وكَره الغرب الحكم باسم الدين وطغيان الكنيسة على العقل والعلم، فتولدت المبادئ العلمانية لإعلاء العقل، وإعمال وسائله، لتحرير الإنسان من سطوة ممارسات الدين الخاطئة، التى سلبت إنسان العصور الوسطى فى أوربا حقه فى الحياة الكريمة الحرة. وللمفارقة الغريبة، كان الفضل في رغبة الأحرار فى أوربا فى تغيير الواقع الديني المتسلط هناك راجعا إلى اطلاعهم على التجربة الدينية الإسلامية، وهى في أوج ازدهارها، عندما أطلقت سلطة العقل فتقدم المسلمون، وأصبحوا مثالا يحتذى فى الغرب! وجربَ الأوروبيون مبادئ العلمانية -  المُستقاه من التجربة الدينية الإسلامية المزدهرة -  وسيلة للحكم، واستُبعدَ الدين عن السياسة، وتقلصت سلطته عليها. ونهضت أوربا عندما نفض أهلها عبء المؤسسة الدينية عن كاهلهم، وتفوقت علميا وماديا. وتنامى مع التفوق الحضارى صراعٌ على المادة، لا يحكمه دين ولا قيم إنسانية سوية، وتفشت العنصرية والطبقية، وتجلت فى احتلال أوربا للعالم وسلب مقدراته بلا رحمة أو شفقة، وركعت المؤسسة الدينية للعلمانية، بل بشرت لها فى العالم المحتل، ورفعت الكنيسة الراكعة للعلمانية شعارات "علما- دينية" جديدة ظاهرها الدين وباطنها المادية العنصرية. وبشرت المسيحية للعلمانية فى المستعمرات، فكان الحرمان والتنكيل والقتل لمن يعارض، وشيئ من رحمة، ولقمة عيش، لمن تمسح وخضع. وكان ركوع المؤسسة الدينية للعلمانية إضعافا لها وعارا عليها وخضوعا منها للعلمانية، إله العالم الجديد. وقبلت العلمانية بخضوع الكنيسة لها، كي تكرس لها استيلائها على العالم، وتبرر بها دورها تحت مظلة الرحمة والهداية والتبشير فى الأراضى المحتلة، شريطة إطلاق يد العلمانية فى الداخل، وغض الطرف عن مساوئها وشرورها فى الخارج والداخل. وحدث فى الغرب والعالم ما نراه الآن من طغيان المادة، واللهثِ وراء ترف الرفاهية، وتبرير الشرور والرذائل، وتغليفها بألوان الحرية والتحرر. ونجحت العلمانية الغربية ماديا، وسقطت روحيا، وهي تسجل الآن سطور موتها إنسانيا، بعد الحروب على الإنسانية فى العراق وأفغانستان بدعوى ظاهرها كره الإرهاب والتعصب الديني، وباطنها النهم المادي.

          ولكى يكتمل الشق الثانى من المقارنة، ينبغي استعراض فشل الممارسة الإسلامية فى الحكم والحياة عبر العصور الإسلامية المختلفة، باستثناء نموذجي  عصر الرسالة والخلافة الراشدة. ففي عصر الرسالة، اقتضت طبيعة الدعوة إلى دين جديد مخالف للمارسات الاجتماعية والاقتصادية والعقائدية فى الجزيرة العربية أن تنشأ نواة الدولة المنظمة فى الإسلام، رغبةً فى نشر الرسالة الإلهية، وحفظًا لاستمرار الدعوة للدين الجديد، دون احتكار للرأي، أو فرض الإسلام على الكفار أو اليهود والنصارى، حتى بعد أن توطدت أقدام الإسلام فى ربوع الجزيرة العربية. وقامت دعوة الرسول، وبالتالى ممارسة الحكم فى المدينة على أسس رحيمة وعقلانية ركائزها:  "لكم دينكم ولى دين" ، "لست عليهم بمسيطر" ، "إنك لن تهدي من أحببت"، "وإنا إلينا إيابهم ثم علينا حسابهم". وهذه الأسس أحسبها مُرضِية للعلماني الحديث بما فيها من إرساء لقيم الحرية ونبذ السلطوية الدينية، وهي ذات القيم التي أرست عليها العلمانية مبادئها وحاربت من أجلها ليتحرر الإنسان من وطأة الممارسة الكنسية الخاطئة فى أوربا العصور الوسطى.

 وسار على نفس هذه المبادئ الخلفاء الراشدون. وأخذت فكرة الدولة فى التبلور والنمو كلما توسعت الدعوة، ونما النظام فيها كلما زادت رقعتها وتنوعت جنسيات تابعيها. وذهبت الخلافة القائمة على العقل والعدل والتقوى، وجائت خلافة قائمة على الحسب والنسب، ومن ثم الاستبداد بالحكم. وبدأت الممارسات الخاطئة للحكم، وبدأ تبرير وجود الحاكم واستمرار نسله فى الحكم تبريرًا دينيًا، حتى تكرست الخلافة المالكة، وغلبت الأطماع المادية واستندت إلى الدين، لضمان المُلك، وبقائه، وتبرير شرعيته. وأريقت الدماء من أجل استمرار حكم الأسر تحت غطاء دينى، وكان ازدهار المُلك الأموي والعباسي ازدهارا سريعًا، مَرده إلى قوة الدفع الكبيرة للإسلام الأول فى العصر الراشد، كما كان سقوطهما مروعا ودمويا. فقَتل أمراء بني العباس أمراء بني أمية تحت شعار "نحن أقرب وأولى بخلافة بن عمنا منكم"، وهو شعار أساسه نسب عائلي نبذته الخلافة الراشدة، وهو ليس شعارًا دينيًا. وقبل ذلك كان ما كان من الأمويين عندما قضوا على علي وولده، وعندما حُصر الإسلام ما بين فكي الخلافة للأرشد أم للأقوى تحت شعارات دينية لضمان الحكم وتبرير البقاء فيه.

وتوالت خلافات باهتة على أمة إسلامية مهزومة بعد الاجتياح المغولي للعباسيين. وسقط الأمويون والعرب فى الأندلس، كما سقط مُلك بني العباس فى الشرق لأسباب بدت دينية، وإن كان باطنها مادي. وضعفت المؤسسة الدينية الإسلامية وترهلت، وانقبض العقل، واستحكمت البدع والخرافات فى الجسد الإسلامي المريض. وفُرِّغَ الإسلام من معناه، وضاع هدفه عندما حولته الممارسات المادية التى أساسها الطمع إلى عصا تأديب يتكئ عليه الحاكم، ويبرر بها وجوده واستمراره. حتى صار الإسلام إلى ما هو عليه الآن، مُمتهنًا من الذين يحكمون بإسمه، ومُمتهنًا من الذين يريدون القضاء عليه، مأسورًا في عباداته وطقوسه، ومغلوبًا على أمره في داخل وطنه وخارجه.

وضحت المقارنة، ومفادها أن العلمانية نشأت عند فشل الكنيسة في أوربا في ممارستها للمسيحية الحقة، وتحقيق ما أراده الله للإنسان من رحمة وعدل ورفاهية. كما فشلت الممارسات الإسلامية فى تحقيق جوهر الإسلام وهو الحرية والعدل والمساواة. ونُسِب فشل الممارسات المسيحية والإسلامية الى جوهر المسيحية وجوهر الإسلام، وتم تحميل الجوهر الواحد للدين الإسلامي والمسيحي كل تبعات الفشل التاريخي لهذه الممارسات فى الحالتين. وكانت نتيجة الفشل في الحالة الأوربية، نبذَ المسيحية بكل ما قدمته للبشرية من مبادئ خلقية سمحة. وكانت نتيجته في الحالة الإسلامية، نبذَ الإسلام وتبني نموذج العلمانية الغربية كاملا من قبل البعض، والتخلي عن النموذج الإسلامي فى جوهره الصحيح، متمثلا فى الحرية والعدل والمساوة، ومن قبلهم إعمال العقل في كافة شؤون الحياة أساسًا للتقدم والازدهار. والنتيجة فى الحالتين هي القضاء على الدين لحساب التحرر المادي بكل تبعاته ورذائله ووحشيته، والقضاء – إن شئنا القول - على العلمانية الدينية فى مفهومها الرشيد وهى تطبيق جوهر الدين للرقي بالإنسان بوسائل علمية مادية، يضبطها العدل والحرية وحق الحياة الآمنة للجميع، دون طغيان لفكرة على أخرى أو لمبدأ على آخر.

والنتيجة فى الحالتين تصب فى صالح اليهود وأتباعهم من الحكام الطامعين من غير اليهود، الذين استغلوا العلمانية لتفتيت المسيحية وتشييع معتنقيها، فغيبوا أهدافها عندما أفلحوا فى طمس معالمها الحقة. وهم ذات اليهود وأتباعهم من غير ملتهم من الحكام، الذين فتتوا المسلمين وقسموهم إلى فرق متناحرة، ومسخوا جوهر الإسلام الحق.

وعندما أخلُصُ إلى هذه النتيجة، لا أرد أسبابها إلى اليهود وتآمرهم على الدين المسيحي والإسلامي من أجل أغراضهم المادية المعروفة تاريخيا، فهم يعملون جاهدين لتحقيق أغراضهم للسيطرة على العالم بتمزيق روح الإنسان، وتشكيكه فى منابع الإيمان، وإغراق جسده فى الرزيلة، وتخدير عقله بمخدر الجنس، وموجات التحرر العابثة. إنما ترجع كل الأسباب إلى قبولنا بالمخطط اليهودي، واستكانتنا له، ودعمنا لأساليبه.

فهل ياترى ينجح علمانيو الشرق تحت شعار: العلمانية هى الحل، أم تنجح بعض التيارات المسلمة تحت شعار: الإسلام هو الحل، أو نقبل بالوضع الراهن المهين، انتظارًا للحل من صانعي العقدة المهرة، فلن يجئ الحل ولن يسعدنا انتظار.  

نشرت بدنيا الوطن في 2008-10-12      

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2008/12/10/152736.html

10‏/10‏/2008

لمن تدق الأجراس؟ د. رضا على حسن

 استعير عنوان هذه المقالة من رواية شهيرة لإرنست هيمنجواي، وذلك لتشابه المعنى ولكن المقصد مختلف. أراد هيمنجواى أن ينبه العالم إلى خطورة الحرب وعدم جدواها، فلا المحاربون الذين يكتون بنارها مقتنعون بما يخوضونه من حروب ولا هم متفهمون لسبب قتالهم بعضهم البعض رغم استمرارهم فى القتال. وخراب الحرب بلغ ما بلغ، دون أن تجد من يوقفها إنقاذًا لأرواح الناس.  وبقيت رحى الحرب طاحنة إلى يومنا هذا، وظل المعنى الذى قصده هيمنجواى حبيس السطور، ولم يستوعبه إلا أبطال روايته، وصُم الناس الذين من أجلهم كتب هيمنجواى ما كتب، ليبين لقرائه مقاصده لعلهم يفيقوا من سباتٍ كُتبَ عليهم، أو قد كتبوه هم على أنفسهم.

          قلت إن مقصدي فى هذا المقال مختلف، ولكن المعنى واحد. وكل ما أخشاه أن لا تتاجاوز الأفكار السطور، فيغفل عنها من ندق الأجراس له، فلا ينفعل بها، أو قد تزيده صممًا على صممٍ.        

          وبعد هذه الديباجة- التى لا مفرَّ منها، ألا يجب أن تُدق الأجراس من أجل مشكلة التعليم فى مصر؟ وهي مشكلة ترتفع أهميتها إلى مرتبة الدفاع عن الوطن، ففى حلها دفاعٌ عن الوطن، وفى إهمالها تفريطٌ فيه وفى أهلِه.  فهل يجب أن نكون بصر من لا سمع له، فنُبصِرَه بما عجزت الأجراس أن تُسمِعَه بطنينها، لعل البصر يقوده إلى الغاية التي فشل فيها السمع؟ فهيا نرى سوءة التعليم فى وطننا، قبل أن تزول أبصارُهم، كما زال عنهم سمعُهم.

          كيف تكون الرؤية؟ هل نراه كما يراه مسؤولو التعليم أرقامًا مجردة لطلاب، وأعدادًا لمقاعد وفصول ووسائل؟ أم نراه مجردًا في طالب جامعي، يكون مثالًا واقعيًا لأغلبية تكادُ تكون مطلقة من طلاب الجامعة، أو نراه فى مدرسة، أو جامعة، أو هيئة إداريةٍ تعليمية. وهل نرى التعليم بعين أستاذ بالجامعة، أو أستاذٍ بالتعليم العام، أو مديرٍ لقطاع تعليميّ، كلٌّ يدرك أوجهًا كثيرة من الخلل في موقعه، وكلٌّ يملك الحل، يهمس به حينا في جلسات الأصدقاء، ويحبسه في صدره حينًا، ليزيده همًّا على غمٍّ. أم نراه بعين مفكر، يستمع، ويدرك، ويفكر ثم يقضى بالحل، ويجهر عاليا بما يقول، فيجد آذانًا صمًّا، وعيونًا لا ترى. فينقلب هو الآخر مدحورًا خاسئًا، فكأنه ما سمعَ وما وعى، وما كتب.

          هيا نر موطن العلة بعين الراصد لما يحدث. نراهُ فى طالب جامعي، تخرج منذ حين، هو بالنسبة لنا منتج تعليمي يكاد يكون نهائيًا، تجتمع فيه كل أوجه القصور- أو لكي لا نظلمه، نقول التقصير تقصير أساتذته، بدءا من أستاذه فى التعليم الابتدائي، نهاية بأستاذه الجامعى، وعلى رأسهم مديرو كل مرحلةٍ تعليميةٍ، ثم من فكر وخطط للتعليم.

           أُتيح لصاحبنا هذا أن يتعلم، وفرت له أسرته سبيلًا ميسورًا فى مدرسة  جيدة، ولم تبخل عليه أسرته بالمال لشراء الحلوى عندما كان طفلًا، يُطعَم ويَشرب ويشاهد التلفاز فى سهولة ويسر، مثله مثل أبناء الطبقة الميسورة الحال في المدينة أو القرية. دخل الجامعة، وقضى بها ما قضى من الزمن، مطمئن النفس هادئ البال. وتخرج منها ليبحث له عن عمل، فإن وجده حمد ربه، وإن لم يجده نقم. وإن وجد عملا مطابقا لتخصصه حمد ربه أكثر، ثم فوجئ بأنه غير قادرا على فهم عمله الجديد، لأن ما تعلمه فى حياته العلمية مختلفا تمام الاختلاف عن واقع العمل الفعلي. وبهذا يكون أمامه خياران: أن يكابد ويتعلم مبادئ هذا العمل من جديد على مضضٍ، أو ينعي حظه التعس الذى أوقعه فى هذا العمل. ويدخلُ فى دائرةٍ دار فيها غيره من العاملين، فاكتففوا بأجورِهم أو لم يكتفوا، وقنعوا بعمل وإجراءات لا يفهمونها، ولن يستطيعوا تطويرها، لأنهم لم يعدوا إعدادًا علميا ليرتقوا بأنفسهم وبعملهم وعالمهم، وإن كانت لديهم الرغبة في الرقي، لم يُؤتَوا القدرة على التنفيذ، ولم يَسمح لهم نظام العمل العقيم بذلك. تلك هى صورة واقعية موجزة لمن وجد عملًا تخصص فيه، فما بالك بمن وجد عملًا لم يتخصص فيه، أو من لم يجد عملًا على الإطلاق. هذه هى صورة إيجابية لمن وفرت لهم أسرهم قسطا وافرًا من التعليم، فما بالُنا بمن هم أدنى من ذلك بقليلٍ أو كثيرٍ.

          هيا نقترب أكثر، لنرى عن كثب، ما لم نراه عن بعد. ماذا يدور بعقله، ويجول بخاطره؟ ماذا عن إهتماماته ورغباته ومشاعره؟ كيف يعيش عالمه، وكيف يتصرف فيه؟ باختصار: من هو؟ وماذا أضافت له سته عشر عاما من التعليم؟ هيا نر. تسأله: ما هو هدفك؟ يجيب: أن أُصبح غنيا، مشهورا، أحصل على ما أريد متى أحب. تسأله: ماذا تريد؟ يجيب: أن أهنأ مثلما يهنأُ الآخرين، أسافر، أنطلق، أصاحب، وأستمتع بحياتى، فأنا لست بأقل منهم. تسأله: ما هي اهتماماتك؟ يجيب: مشاهدة التلفاز، والتسامر مع الأصدقاء. تسأله: كيف تعيش يومك؟ يجيب: أسهر مع الرفقة حتى الصباح، وأصحو متأخرًا. تسأله: ألا يوجد شيئ آخر يشغلك غير هذا؟ يجيب: لا، درجنا على ذلك منذ أيام الجامعة. تسأله: كيف كنت تستذكر الدروس؟ يجيب: كنا نحفظها قبل الإمتحان، وننجح! تسأله: ماذا تحب أن تكون؟ يجيب: قلت لك غنيا ومشهورا، ويضرب لك مثلا بمطرب أو لاعب كرة أو ممثل. هل يكفي هذا القدر من الأسئلة؟ بالطبع لا، فهناك أسئلة مثل: لمن تقرأ، أو ما هى وجه نظرك فى موضوع ما، ولكن لا جدوى من الاستمرار في دائرة من الملل، فلا طائل من ورائها. ولكن يبقى أهم الأسئلة بلا إجابة، ويجب أن نوجهه له: كيف تحقق ما تصبوا إليه؟ يجيب: لا أعرف. دائن أم مدين هو ياترى، ظالم لنفسه أم مظلوم هو. كذبَ فى رسم صورة عن نفسه، فأنصفنا وبَرَّئنا من تحمل مسؤولية ما وصل إليه، أو صَدق فى رسمها فأداننا بصدقه، وكذَّبنا فيما أوصلناه إليه.

          هيا نقترب أكثر فأكثر، لنرى بوضوح العوامل التى أدت بصاحبنا إلى ذلك الواقع المؤلم الذي تحدثنا عنه. بالطبع هي عوامل متشابكة كثيرة، أدى تشابكها إلى ضياع معالمها، وصعوبة تتبعها، وبالتالي صعوبة حل عقدها. ولنأخذ يوما تعليميًا من حياة هذا الطالب، ليكون مثالًا واقعيًا لتشابك هذه العوامل. وليكن اختيارنا ليوم من تعليمه العام، ويوم آخر من تعليمه الجامعى. يذهب صاحبنا إلى مدرسته الابتدائية مُثقلًا بحقيبته التي يملؤها الورق، ومُثقلًا بهموم استرجاع ما فيها من دروس في ليلته الماضية. يُنهكه طابور الذنب الصباحي كأنه يوم حشر، يتناوب عليه مُدرسوه بأوامر لتنفيذ بعض التمارين الرياضية التي لا يفقه لها معنى، ولا يفهم منها إلا أمرا بفعل. يدخل فصله حيث يتناوب عليه المدرسون واحدا تلو الآخر، يقرؤون له ما فى الورق، ويأمرونه بالحفظ وينهونه عن اللهو والتفكير. يدمرون عقله ويوجعون بدنه، ويعدونه أن يكون آمرًا ناهيًا إذا امتلك الأمر، خائفًا مُستجيبًا عندما لا يملك منه شيئا! يعلمه أساتذته أن العلم حفظ وطاعة، ويقتلون فيه كل تساؤل وتفكير. ولن أتحدث عن علوم مثل التربية الفنية والموسيقية والرياضية ينبغى لها أن ترقى بحسه وبدنه، أهملوها لأن الجهاز التعليميّ اعتبرها فى ذيل القائمة، لأنها فنون غير مكتوبة تخالف طبيعة ما فى الورق، يصعب تلقينها واسترجاعها، فكل شيءٍ لديهم هو حبر على ورق.

          لم يختلف الأمر كثيرا، عندما نختار يوما فى حياة طالب جامعي. يستمر مسلسل الحفظ والتلقين، وإبطال العقل والتفكير. حيث تُستَبدَل الفوضى المنظمة فى مراحل التعليم الأولى بفوضى لا تكاد تعلم لها شكلا ثابتا. وكل يوم يمر في الجامعة تزداد فيه الفوضى وتتشابك خيوطها وتتنوع أشكالها. والعنصر الثابت فى هذه الفوضى هى المعوقات الإدارية والتعليمية، وتختلف أشكال هذه المعوقات ليتثبت جوهرها يوما بعد يوم. ولا يوجد حلول تقدمها الجامعة من داخلها، وهى الأدرى بمشاكلها: مثل زيادة الأعداد، وعدم الالتزام بالمحاضرات لعدم وجود الأماكن، وضعف المناهج الدراسية، وضعف مستوى الدارس والمدرس، فضلا عن عدم الانضباط، وضعف التنظيم العام، وعدم التفرغ للعملية التعليمية. وهي مشاكل يمكن حلها بسهولة إذا أخلصنا النية والعمل وابتعدنا عن الحلول المستوردة مثل جودة التعليم وتطويره!     

          ونخلُصُ من الأمثلة السابقة إلى أن الطالب في كل مراحل تعليمه أصبح هدفا لمنظومة مركبة تزدادُ خطأً يوما بعد يوم. تعلمه هذه المنظومة المدمرة درسًا بالمدرسة، لينسى دروسًا فطره الله بها. يعلمه أستاذه أن يحفظ درسه، ونسي أن يقول له لماذا يحفظه، وماذا سيفعل به.  علمه أستاذه أن يحفظ ما يجد، وأنساه أن يعيَ ما يحفظ. تعلم لفظة نعم، ونسي ألفاظًا خلقه الله ليسأل بها، مثل لماذا وكيف. أخضعه معلمه لما يرغب، ولم يعلمه أن يُخضِع نفسه لما يرغب. قال له إقرأ، ولم يقل له فكر فيما تقرأ. قال له افعل، ولم يعلمه كيف يختار ما يفعل. علمه حروفا أنساه بها عقله وحريته. علمه حروفا ليكتب بها واجباته، ولم يعلمه كيف يطلب بها حقه. وأصبح كما ترى، يحمل أسفارا، لا يكاد يتذكر ما فيها، تُكبّله بحملها، وتُحمّله ما لا طاقة له به. وقَنِعَ معلموه بما فعلوا، فرضى منهم من رضى وبات هنيئ البال، ورفض منهم من رفض واكتدر، وأوى إلى فراشه قائلا: لن يحاسبنى الله على ما أفعل، فالأمر ليس بيدي. فمن يا تُرى يقع عليه وزر التقصير، أظن أنها إجابة يعرفها جيدًا كلُّ من قنع ومن رفض.

          ننتقل إلى من بيدهم الأمر. هل ملكوا أمرهم، أم ملكهم؟ أكثر الظن أنهم شاهدوا ما شاهدنا، وانفعلوا بما انفعلنا به. وعلِموا تمام العلم أن مشكلةَ التعليم فى مصر مشكلةٌ مُركبةٌ، تبدأ بغياب الهدف التعليمي والتربوي، وما يتبعه من عشوائية فى التخطيط، ثم مشكلات أخرى تنتج بدورها عن غياب الهدف، كمشاكل زيادة الأعداد، وقلة الإعداد والعتاد! فراحوا يحملون القصور كله على زيادة الأعداد وقلة الإمكانيات، ولم يعترفوا أصلا بغياب التخطيط. وراحوا يعقدون المؤتمرات، ويكتبون وصفات علاجية مستوردة لتحديث التعليم، وجرّبوا، ثم أعادوا التجريب المرة تلو الأخرى، وسألوا عن المريض وابتسموا له فقط، ولم يسألوه كيف مرض، وما هو مرضه. فزاد مرض المريض وتضخمت مشاكله، وأشرف الآن على الهلاك، إن لم يكن قد هلك. مع أن العلاجَ ممكن، إذا وُجد الطبيب الماهر، الذي يستمع إلى شكوى مريضه بعناية، بل ويساعده أن يشكوَ جيدًا، ليصف له العلاج الناجع.

          والمريض هنا هو الطالب الذي تحدثنا عنه، ومن يُعلمه ومن يُدير له تعليمه. المريض هو ذات الهدف، والمشكلةُ إنسانية مَحضة، وهى ليست مشكلة تحديث الإمكانيات التعليمية كما يحلو لهم أن يصوروها. الطالب هو هدف التعليم الأول، والتعليم هدفُهُ تربيةُ العقل والضمير والرقى بهما معا، من أجل تطوير المجتمع، وأدواتنا لذلك هى المدرس، والمدير، والمفكر، والمشرع. ثم يأتى بعد ذلك كله، أو من أجله،  بناء المدرسة، وشراء السبور، والمقعد.     

          والحل لابد أن يكونَ مصريا، لأن الهدف هو المتعلم المصري، الذي يعيش في مصر، والذي يعمل فيها، يرقى بها إن أفلحَ، ويهوى بها إن أخطأَ. والهدف هو رقي المتعلم أولًا، ففى رقيه رقيٌ لوطنه. وليس الهدف هو جلب خطط وإمكانات من الغرب تتناسب وأهلها هناك، ولا تناسبنا. وتظل الإمكانات حبيسة العلب، أو تستخدم فى غير محلها، وتظل الخطط حبيسة رأس من جلبها إلينا. وحُلولُنا لابد أن تكون مصريةَ المنشأ، يخطط لحلها عقل وضمير مصري واعِ، قادر على تنفيذ ما يُخطط له، ويعالجها أطباء جراحون مصريون مهرة، قادرون على إستئصال الخبيث من البدن دفعةً واحدةً من غير تجريبٍ، فجسم المريض أصبح غير قادرٍ على التجريب.

          فهل يستحقُ التعليمُ، بعد هذا الصورة التى رسمناها، أن ندق له الأجراس؟ وهل يَحقُ للذين ندق لهم الأجراس أن يتمادَوا فى غفلتهم عنها. لهم تدق الأجراس! ولنا حصادُ غفلتِهم.

ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالم...