08‏/10‏/2007

مقدمة "فياجرا" - مجموعة قصص قصيرة للدكتور خلف عبد العزيز د. رضا علي حسن

هي مفردات العصر الحديث وتوابعها فٌرضت علينا لنحيا بها، نقبلها حينا، ونرفضها أحيانا، ونلوكها جملا قصيرة معبرة نرصد بها واقعنا ونسجل بها آلامنا وعجزنا. هذه المفردات ذاتها هي التي عاشها كاتب هذه المجموعة القصصية القصيرة أو عاش في ظلالها فاستوعبها أو استوعبته، وصاغته فصاغها في جمل تلغرافية أنيقة وقصص قصيرة يسجل بها واقعا بكلمات وجمل لا ينقصها الصراحة والسفور، يزداد رونقها تحت عناوين رمزية ومعان لاذعة. فالعبارة السافرة والرمز ولذوعة المعاني، رغم تناقض هذه المعطيات الثلاثة، تدفع بالقارئ الى أجواء خاصة يتنازعه فيها الخيال والواقع والخطأ والصواب. أجواء خلقها الكاتب المبدع عن عمد ليستثير بها عقول قُرّاءِه فيزيدهم علي متعة الأدب متعة التفكير والتدبر. كأنه يقول لقراءه هذه محاولتي  أصيغ بها موقفا من حياة كانت مستقره، عبثت بها رياح الحداثة، فهيا فكروا معي كيف نعريها ونفضحها كي لا نستسلم لها فتسفد علينا حياتنا أو نفسد بها !

          تسيدت المرأة موضوعات هذه المجموعة القصصية. فهي خائنة ولعوب في عدد كبير من القصص كـ "فياجرا" و"خيانة"، وكان ترتيبهما في الصدارة كإعلان صريح من الكاتب بمثابة الموقف من المرأة. ويتردد هذا الموقف كثيرا في قصص أخري علي سبيل المثال وليس الحصر مثل "نونة والذئاب"، "اللعوب والواشية"،  و"رسالة الي فتاة لعوب". ولكني لا أحسبه موقفا نهائيا للكاتب، فللخيانة ما يبررها من رغبات طبيعية لزوجات أو عشيقات فشل الأزواج أو العشاق في تلبيتها، أو مفردات حداثية تعلي من قيمة الجسد علي حساب العفة مثل الإنترنت والتلفاز والهاتف، وما جاء من تبريرات حسية في هوامش فرويد كما في "الوسواس الخناس" و "خيانة دوت كوم". وصور لنا الكاتب المرأة تارة جارية تتلاعب بمقادير الملوك كما في "اللعوب والواشية"، وتارة ثانية جارية  حديثة مبتذلة تتفضح لمن يدفع لها في غرف التشات كما في "خيانة دوت كم" و "خلفيات"، وتارة ثالثة زوجة أو عشيقة يفقد الرجل تحت قدميها رجولته حبا في جسدها وابتذالها كما في "المسخ". وفي جميع هذه القصص التي جائت المرأة ركيزة لها يلح هذا السؤال علي مخيلة وعقل القارئ: هل هي المرأة كذلك خائنة لعوب مبتذلة، أم هو الرجل الذي تسيدته رغباته فابتذل عقله ورجولته من أجلها في عالم حديث تسيدته الصورة وسيطر عليه الجسد؟!

          ومن سلطة الجسد الأنثوي علي العقل، يتعرض الشاهدي كثيرا إلى سلطة الحكم أيضا علي العقل والجسد. فنجد الملك الذي فقد عقله من أجل جارية في رمزية مواربة للظلم والتسلط على الجسد متمثلا في عقابه البشع للواشية في "اللعوب والواشية"، وانشغاله عن جادة الحكم بأمور بعيد كل البعد عن إعمال العقل. وتوالت صور الحاكم اللاهي عن جادة الحكم مثل الملك ذو البصاصين الذي يهب بغير حدود في "الحقود"، أو ملوك الأموين الذين يصاحبون أعداءهم متي صاروا أعداء لغرمائهم، أو عندما صور أصحاب السلطة والمال والمدراء والوزراء أهدافا للنساء لما لهم من سلطة غير راشدة كما في "الغبي". وتتوالي رموز السلطة  التي غاب عنها العقل فنجد مثلا تصوير رئيس اللجنة بالبطين في " اللجنة"، في إشارة تهكمية سافرة تستبطن واقعا حقيقيا لرموز السلطة. وأبدى لنا الكاتب موقفه من سلطة الدين وتسلطه على العقل حين قص علينا نبوءات مسيلمة الكذاب في "سرطان" و "عودة مسيلمة الكذاب" و "الناسك والمدينة المقدسة".

          أستكمل الشاهدي في قصصه ثالوث التخلف الذي نحياه، فأكمل سلطتي الجسد والحاكم الفاسدتين بتسلط النفس العابثة علي العقل، فهى تحط من قدره ولا ترقى به أبدا. فجاء تصويره مثلا للغبي، والمعتوه، والحقير، والأبله، والمسخ، وحماران، والوسواس الخناس، والصعلوك، والسوقة خير دليل على وعي الكاتب برذائل خطيرة كامنة في نفوسنا تعيقنا عن التفكير السليم والحياة الصحيحية. هذه النفوس العابثة هي المسؤلة عن الفوضي والتخبط الذي نحيا فيه والذي صوره كاتبنا بمهارة في "السوقة" و"اللجنة" حتي غلب عليه الألم والحزن من جراء فوضي قيمية تملكت عالم اليوم ولا يبدو لها انقشاع فعبر عن ذلك على سبيل المثال في "سرياليات" و"خلفيات" و"ولي النعمة" و"فنان شرير"، حيث نقل لنا الكاتب إدراكه للفوضى وشعوره بالحزن على فقدان الهوية في عالم متغير حائر.

          هذه الخطوط الثلاثة (الجسد، الحكم، الضعف النفسي) التي احتذاها الشاهدي في قصصه القصيرة تقاطعت وتشابكت في غالبية القصص وكأنه يقول إن سلم العقل من طغيان الجسد فلن يسلم من فساد الحكم وبراثن الضعف النفسي. فعبر عن تلك الخطوط الثلاثة بكلمات دقيقة تجسد وتصور وترمز للسلطة بتعدد أوجهها، سلطة الجسد، والحكم، والنفس. وهي كلمات وعبارت موجزة إختارها الكاتب بعناية ومقدرة لغوية فائقة ليصب معانيه في قوالب من صنعه، مزج بها الواقع بالحياة، والرزيلة بالفضيلة، والإثم بالحق، والمنطق باللا منطق، والدين بالادين. فاستعار بعض ألفاظه من التراث الثقافي العربي والإسلامي، واستخدم ألفاظ حديثة بما يتوافق مع محتواها لفضح حداثتها، ونحت عبارات جديدة كي تفي بمعان جديدة أراد أن يعبر عنها. فلم تخذله اللغة ولم تخذله المعاني.

          لا أريد الإطالة على قارئ هذه السطور، ولن أقابل إيجاز الشاهدي فى قصصه القصيرة جدا إلا بكلمات موجزة علها تفلح في مثل ما أفلح فيه من إيجاز لصور من الحياة بعبارات قصيرة تغطي ما في الحياة من تناقض وتكشفه. وسوف أتركك عزيزي القارئ لتسمتع بهذه الحياة التي رسمها لنا الشاهدي في قصصه وتستنكه ما تذخر به من رحيق أدبي استخلصه الكاتب من بين مرارة حياة واقعية أليمة، فهيا نهرب من آلامها إليها.

 

نشرت في دنيا الوطن، دروب، شباب مصر في 2007-10-08   

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2007/10/08/106504.html   


ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالم...