14‏/10‏/2025

ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالمك، وتجذبك إلى عالمه رغماً عنك. إنها تعيد برمجة عقلك بأفكاره الخاصة التي أراد توصيلها بحرفية قد تكون غير مفهومة في بادئ الأمر أحياناً، قاسية أو صادمة أو كئيبة أحياناً أخرى. هي طريقة يُسقط بها صنع الله الحدَّ الفاصل بينه وبين القارئ، ليجد القارئ نفسه بعد دقائق من القراءة منغمساً في عالمٍ خاص، عالمٍ مسيطرٍ ومتسلطٍ على عقل القارئ رغم قسوته أو كآبته. ولن يستطيع القارئ الفكاك منه، حتى إذا اتخذ قراره بالتوقف عن القراءة، ولا يملك القارئ إلا العودة من جديد ليقذف بنفسه في آتون صنع الله.

بدايات صادمة

يواجهك صنع الله إبراهيم في معظم بدايات رواياته بحالة مُقبِضَة للروح؛ فهو يصدمك في عمله الأول "تلك الرائحة" بإملاء الضابط على المتهم الذي أُفرِج عنه للتو من السجن، بعبارة من كلمتين فقط: "قال الضابط"، ويعقبها سؤاله: "ما هو عنوانك؟".
ويضللك بالجملة الأولى من روايته الطويلة "شرف"، عندما ينفي بها أن "الحذاء" مسؤول عن مصير "شرف" بطل الرواية، ثم يطلق في وجهك رائحة الكوتشي البالي التي لا تُطاق. ويوقعك في تلك الحالة المُربِكة، التي ينقلك إليها عمدًا، بجملة واحدة متناقضة وموحشة يبدأ بها رواية "وردة"، يقول فيها: "عندما أزمعت السفر، كفّت عن المجيء إلى أحلامي". ثم يؤكد هذا التناقض الذي يخلق الشعور بالوحشة، عندما يجول مع فتاة أحلامه كأنه في الجنة، وتقترب منه ليلامسها، وتصل نشوته إلى حدّ الفوران، ليستفيق من حلمه "مبللًا، متوهجًا، راضيًا. كل ذلك عبّر عنه في فقرة واحدة، بدأها بجملة متناقضة محيّرة، ثم ينقلك من جنة إغواء الحبيبة والشعور بالنشوة إلى استفاقة من الحلم بطريقة مخزية لرجل في الستين من عمره. ويصدمك أيضًا بكلمتين: "فتشوني مرتين"، في بداية رواية "بيروت بيروت"، ثم يبدأ في وصفه المُقيت لطريقة التفتيش قبل السماح بدخول الطائرة. ولا مفرّ من ذكر البداية الطبيعية لقصة "ذات"، عندما أخرجها إلى الدنيا في جملتين ملوّثتين بالدماء في بداية الرواية، ليصدم بهذه البداية قارئه الذليل، ويلقي عليه شعورًا مُقززًا يتملكه به، ليدفعه إلى العودة إلى القراءة ليُكمل اكتشاف الفكرة من وراء المشاعر الصادمة، ويتابع القراءة مُرغمًا، تحدوه رغبة عارمة للتخلص من الرواية بقراءتها سريعًا، والتحرر من سطوة الكاتب وسلطته المُقيتة. وكذلك لا مفرّ من وصف حالة السُكر والعبث في الفقرة الأولى من افتتاح روايته القصيرة "67"، التي يُفقدك صنع الله بها عقلك قبل أن تُكمل قراءة ما هو قادم وقاسٍ في السطور من مرارة الفشل والإحباط. وتتجلى حالة الإحباط في بداية "اللجنة"، بلغة سهلة ساخرة، يصف بها منظر الحارس العجوز في زيه الأصفر، كأنه يرفع راية الاستسلام، عندما كان البطل في طريقه لمقابلة اللجنة التي تأخرت كثيرًا عن الموعد الذي حددته اللجنة نفسها لانعقادها!

          وفي رواية "أمريكاني"، يشغلنا صنع الله بإفراغ مخلفات وعاء القهوة في وعاء القمامة، بعد أن وضعه في الحوض، وتابع افتتاحية السرد بتفاصيل دقيقة متشككة، يصف بها إزالة فتات الخبز وتنظيف المطبخ، ثم إحكام أبواب الغرف وإغلاق الراديو، قبل أن يلقي بكيس القمامة في الصندوق المخصص له خارج المنزل. انشغل الراوي بالتركيز على سرد تفاصيل مملة عن جمع القمامة وإلقائها، وتفاصيل متشككة عن غلق الأبواب والنوافذ، ووصف الأقفال التي يُحكم بها غلق باب مسكنه، ثم وصف نظافة صندوق القمامة في الشارع. إلا أنه تغاضى عن التعبير عن إحساسه بجمال المنزل الذي وصفه باقتضاب، والشارع الجميل الذي تحفه الورود والأشجار بلا مارة أو سيارات، ونسمات المحيط التي حولت شهر أغسطس إلى ربيع. وقد صوّر هذه اللمحات الجميلة في عبارات قليلة مقتضبة، جاءت تائهة ومتناثرة بين سطور تُكثّف الملل وتوشي بالتشكك والنقمة، وكأن عينه لا تلتقط إلا عيوب الجسد، ولا تصف إلا طرق أكل الطعام المُقزّزة، ولا تشم أنفه إلا الروائح الكريهة المُنفّرة.

          وفي رواية "الجليد"، يصدمنا صنع الله مجددًا بوصفه في السطور الأولى للقومندانة الروسية السمينة، المشرفة على غرف الطلاب، ذات الوجه المستدير المتجهم والشعر الرمادي، التي تكاد تسد الباب بجسدها البدين. ثم يجادلها الراوي ويخسر الجدال بجملة واحدة صدرت منها، كأنها قائد حرب منتصر ينهي الحرب بضربة قاضية. وبدأ روايته "برلين 69" بتذكير القارئ بتسلل الشباب المصري إلى أوروبا عبر البحر، الذي ابتلعهم في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وفي بدايات هذا القرن. ثم يقارن هذا الوضع البائس للشباب الباحث عن العمل والحياة الكريمة خارج البلاد، بوضع الشباب سنة 69، رغم الآثار التي خلّفها وراءه العدوان الإسرائيلي في 67. وينقلنا صنع الله فجأة، بعد فقرة واحدة، إلى أجواء من التوتر والريبة والخوف من ضابط الجوازات، عند دخول "صادق الحلواني" إلى مطار "شونفيلد" في برلين الشرقية. وبلغت افتتاحيات روايته ذروتها الصاخبة والعنيفة في "العمامة والقبعة"، بمشهد مهيب للراوي الهارب من شدة الخوف تحت الشمس الملتهبة، وحرارة الجو الخانقة، وسط الغبار الكثيف، كأنه يوم القيامة، وهو يشق طريقه هاربًا وسط الجموع الغفيرة، خوفًا من اعتداء الفرنسيس بعد سماعهم بهزيمة "مراد بك"، واستعداد "عمر مكرم" نقيب الأشراف لملاقاتهم.

          ويغرّرنا صنع الله ببداية رواية "نجمة أغسطس"، حتى نستثنيها من افتتاحياته الكئيبة القاسية، حيثُ تُصوّر بدايتها الواقعية الراوي وهو يضع حقيبته فوق الرفّ الخالي مثله كمثل الآخرين، لكن البداية لا تسلم من صنع الله، الذي يصوّر المشهد بعين الراوي المتجه بالقطار من القاهرة إلى السدّ العالي، مخلفًا وراءه المساكن الشعبية بلونها الأصفر الباهت التي تتراكم حولها القاذورات، ويتبعها العشش البائسة، حتى يُفاجئنا ببارقة أمل نادرة في أعماله، حيث الخُضرة الكاملة على جانبي القطار. ويُعاود الراوي – صنع الله – تسلّطه باختطاف عين القارئ من جديد، مع تصويره لعامل غرف النوم بالقطار كأنه حارسٌ صامتٌ بزيّه الأصفر، حيث لا يتفوّه الحارس بكلمة واحدة عندما دخل عليه قمرته دون استئذان، ليدلّه على مكان الغطاء. وما كان من الراوي إلا الانصياع له عندما قال: "حاضر يا فندم"، قبل أن يقوم وراءه ليغلق باب القمرة بسلسلةٍ حديدية. وهذه بداية واقعية لا تخلو من لغة صنع الله في تصوير البؤس والإحساس الداخلي بالخوف من القهر.

          وفي رواية "التلصص"، تبدو البداية ناعمة، يُصوّر فيها الابنُ أباه وهو يتمهّل قبل الخروج من باب البيت، يُعدّل شاربه، ويُطفئ سيجارته، ثم يُزيح غبارها عن صدر معطفه الأسود الثقيل، والابتسامةُ على وجهه. لكن الطفل الراوي يُفاجئنا في جملتين قصيرتين ومتتاليتين، يُبدّد وقعهما على النفس في نهاية الفقرة الأولى من افتتاحية الرواية تلك الصورةَ الناعمة التي رسمها الطفل لأبيه، حيث قال باقتضاب: "يقبض على يدي اليسرى. نتلمّس طريقنا في ضوء الغروب". وهو يعني أباه الذي "يرسم ابتسامةً على شفتيه" بعد أن "يبسط أساريره ليُبدّد تجاعيد جبهته"، ليراه الناس على هذه الهيئة. وكأن الطفل يعي أن أباه يرسم ابتسامةً على وجهه، بينما يقبض على يده اليسرى، وكلاهما لا يرى طريقهما بوضوح في ضوء الغروب، في افتتاحيةٍ رمزيةٍ تُنبئ القارئ بأن العلاقة القادمة بينهما آفلةٌ لا محالة.

          وفي يومياته التلغرافية في رواية "1970"، يلتقط القارئ تناقض الأخبار بسهولة من الصفحة الأولى، وهو تناقضٌ يُثير السخرية، ويُفجّر ألم الإحباط، لأنه يصف الداء المصري، وينكأ بأظافره الجرحَ القديم الذي يستنزف البلاد بطريقةٍ صريحةٍ كاشفةٍ ومخيبةٍ للآمال. يبدأ الرواية بقصاصاتٍ متتاليةٍ لأخبار أول يناير سنة "1970"، أخبارٍ مجرّدةٍ لا تفصلها خطوطٌ أو تعليقاتٌ للكاتب، لكنها مؤلمةٌ تُثير الوعي، وتنكأ الجرح: قتلى غاراتٍ إسرائيليةٍ على "إربد"، وإعلان القيادة الأمريكية عن خسائرها بالآلاف في فيتنام. ويعقب هذين الخبرين مباشرةً خبرٌ عن الراقصة المصرية "ناهد صبري"، التي لم تتمكن من الوفاء بتعهداتها بالرقص ليلة رأس السنة، لأنها أُصيبت في مشط قدمها اليسرى، وسيُجري لها الدكتور "يحيى الكاتب" غرزتين اليوم لتواصل الرقص بالاعتماد على قدمها اليمنى. ثم يأتي خبران آخران عن ضربات المقاومة الفلسطينية العنيفة في بداية العام، وخطرِ تجدد الأزمة بين السلطات اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، ويلي ذلك مباشرةً خبرُ إعلان شركة أسطوانات صوت القاهرة عن أغنية "ليلى نظمي" الجديدة "ادلع يا عريس"، لتتراكم السخرية في الملهاة التي يحاول صنع الله أن يوقظ بها قراءه.

          وفي "يوميات الواحات"، التي تُعدّ سيرته الذاتية في سجن الواحات لمدة عامين، من عام 62 إلى 64 من القرن الماضي، يُصرّح صنع الله بلا مواربةٍ أو خجلٍ بأن السجن هو جامعته، التي عايش فيه القهرَ والموت، حيث رأى فيه بعضَ الوجوه النادرة للإنسان. ويبدأ صنع الله في كتابة يومياته في سجن الواحات، بدايةً من 1 إبريل 1962، بالطريقة التلغرافية نفسها التي اتبعها في رواية "1970"، ليفضح بأسلوبٍ مقتضبٍ الحياةَ المؤلمة في السجن، ويُعرّي التناقضَ البشري في سردٍ لاهثٍ للأخبار والملاحظات اليومية، التي تبدو غيرَ مرتبة، وتفتقد للتورية والحسّ الأدبي. وهذه طريقةٌ مقصودةٌ متعمّدة، يُبيّن بها صنع الله مدى التوتر الذهني للمسجون، ويَرسُم بها تفاصيلَ حالته النفسية المتردّية، ومدى تشتّته الذهني الذي وصل إليه في السجن.
وهو يريد أن يقول للقارئ إنّ تسجيلَ حقيقةِ الأحداث، مهما كانت فجاجتها وقبحها، هو الطريقةُ الأبدى والأهمّ في تدوين القهر، وإثبات الألم، لإيقاظ الوعي.

 

الانتقال إلى وطأة الألم   

ينقلك صنع الله فجأةً وبلا رحمة إلى أجوائه الباطنية، ليصف لك شعوره بالألم ووطأته الشديدة على نفسه. جاء هذا الانتقال بعد الافتتاحيات الصادمة والقاسية في معظم رواياته، تلك الافتتاحيات التي ابتلعت القارئ وألقته في آبارٍ من التيه. ومن نماذج هذا الانتقال وصفُه للواقع الفعلي في لحظة خروج البطل من السجن في "تلك الرائحة"، وهي لحظة يُفترض فيها السعادة، لكنه وصف شعوره بالألم النفسي والجسدي، وضيق المكان، وقذارته، وقيوده الكئيبة. وراح يُعمِّق وصف مشاعر ضيقه وعجزه، بوصف أنماط مشاعر المسجونين وإحساسهم بالعجز والضآلة من وراء قضبانٍ تتدنى بإنسانيتهم، وتُقيِّد أبسط رغباتهم البشرية، فتظن أنهم حيواناتٌ حبيسة الأقفاص، بل تشعر أنهم دون المرتبة الحيوانية.

          وبعد افتتاحية الحذاء والكوتشي ذي الرائحة المقززة في رواية "شرف"، ينتقل صنع الله إلى تصوير حالة مؤلمة من الملل والضياع تتملك "شرف"، الشابَ العاطلَ عن العمل، ذلك الشابَ الذي انسحق مثل باقي شباب عصره بغلاء الأسعار بعد الانفتاح. وهو عاطلٌ بلا عملٍ رغم إجادته للغة الإنجليزية، يتسكع في الشوارع وهو ينفث بعينيه جوعه الجنسي، وقد ضاقت خيارات الترفيه والشراء لضيق ذات اليد، حتى قابل "جون" الأجنبي المثلي الذي دعاه إلى السينما ثم إلى شقته، فقتله "شرف" بعد ذلك لأن "جون" أراد أن يعتدي على شرفه. وأدت به هذه الجريمة إلى دخوله السجن، ومعه جميع من قرأ هذه الرواية الكئيبة، الذين صاروا بعد ساعة من القراءة شركاء حقيقيين لـ"شرف" في سجنه، وصاروا هم أيضًا ضحايا لصنع الله إبراهيم، تلطمهم بشدة آلام السجناء كلما أوغلوا في القراءة، من دقة وصف أجواء السجن وأحوال السجناء الضعفاء، وبراعة تصوير المهانة النفسية والجسدية التي يلاقونها من الحراس ومن أقوياء المساجين من عتاة المجرمين. وأجواء أخرى مقززة للقهر والاضطهاد تقطر وجعًا، لا يبرز منها إلا الشعور بالانسحاق والدونية، وموت إنسانية المسجون والسجان.

          جاء الفصل الأول من رواية "وردة" مقتضبًا في فقرتين قصيرتين، دوَّن فيهما الراوي حلمه الصادم أثناء سفره من القاهرة إلى مسقط، لتبدأ الرواية الفعلية من الفصل الثاني عند وصوله إلى وجهته، واستقبال "فتحي" للراوي عندما أقله في سيارته إلى سكنه. ويبدأ الراوي المقارنة بين النظام والحسم والأمان والجمال في مسقط، ونقيضها في مصر، حيث يخبره صديقه "فتحي" بأن يضع حزام السيارة، وأن "المرور هنا صارم وليس كما في بلدكم"، فيجيبه الراوي – صنع الله –: "أردت أن أقول إنه لم يعد بلدنا، لكني لم أشأ أن أكون البادئ بنقاش عقيم." ويستأنف صنع الله استحضار مخزونه السلبي عن بلاده كلما رأى نقيضه الجميل، حتى يُنسي القارئ ذلك الجمال والانضباط والاتساق في البلاد التي ذهب إليها، ويجعله لا يعي إلا بالألم الناتج عن المقارنة بين عُمان الحديثة ومصر الضاربة في القدم والفساد، والندم على جمال بلاده الذي كان. وتنقلب تلك المقارنة لصالح بيروت أيضًا في روايته "بيروت بيروت"، رغم الخطورة البالغة في شوارعها وحالة القلق والاضطراب السائدة، حين صرّح صديق الراوي "وديع مسيحه" بأنه لا يرغب في العودة إلى مصر، مثله في ذلك مثل المصريين الذين يفدون إلى بيروت رغم خطورة الحياة فيها. ثم يتنقل بالقارئ، من خلال طريقته في السرد وتوثيق الأحداث، إلى الأوجاع المحلية في بيروت، والإقليمية في فلسطين والدول العربية، ثم يعود إلى ذكريات الألم الأول في السجن الذي خرج منه بعد العفو العام سنة 1964.

          وتشتد وطأة الوعي بالألم الجسدي والنفسي في ذكريات "ذات" عند ختانها، ثم بلوغها وزواجها. وفي"67"  تنفجر الحقيقة الوطنية المؤلمة في وجه جميع أبطال الرواية، عندما تيقنوا من الهزيمة بعد فرحة إعلان النصر الزائف. وتتجلى الحقيقة في النهاية الرمزية للرواية، عندما ودّع الراوي زوجة أخيه الخائنة بعد أن قضى معها ساعة حب محرم، حيث قالت له إنها تشعر بأنها لن تراه مرة أخرى، فقال لها إنها مخطئة، ويستمران في الخيانة – سبب الهزيمة – وتحمل آلامها المخزية.

          وعلى هذا المنوال، يسلك صنع الله مسلكه المعتاد في افتتاحياته الصادمة والمقززة أحيانا في رواياته، لينتقل منها إلى تصوير آلامه النفسية، تارةً بالسرد المباشر للراوي في بعض رواياته، وتارةً أخرى بالسرد غير المباشر من خلال آلام أبطال رواياته وتكثيفها بتفاصيلها الدقيقة. وتعكس هذه التفاصيل الدقيقة المكثفة آلام الإحباط، والقهر، والتسلط، وانتهاك الكرامة الإنسانية، والعجز، والفشل الشخصي والعام، والنهم الجنسي، والضعف الجسدي، والمزاج المضطرب، والحاجة إلى المال، والخيانة، واللجوء إلى السُكر للنسيان أو لتلمُّس لحظة سعادة، والرغبة في التطهر الجسدي والنفسي من كل ما هو مقزز ومزري، والرغبة الواعية المُلحّة في الخلاص والتحرر من كل ذلك.

          وتُشكّل تلك التفاصيل الدقيقة المكثفة لغته الروائية، بألفاظٍ وعباراتٍ وجملٍ تنبض بالآلام والأوجاع، وتكاد تكون مكررة في معظم رواياته، حتى أصبحت سِمةً دامغةً في أسلوبه السردي، كما في روايات "شرف"، و"تلك الرائحة"، و"وردة"، و"ذات"، و"67"، و"برلين 69"، و"الجليد"، أو في أسلوبه التوثيقي التلغرافي في روايات مثل "1970"، و"النيل مآسي"، و"يوميات الواحات". وقد جمع بين الأسلوبين في معظم رواياته، دون أن يؤثر ذلك التبادل بين السردي والتوثيقي في طريقته الطاغية لإبراز التفاصيل الدقيقة والمكثفة لأنواع الألم السابقة.

          وتُشكّل أيضًا بداياته الصادمة، ثم انتقاله المفاجئ إلى وصف الحالة الشعورية البائسة التي تُكثّف آلامه، طرقاتِ مطرقةٍ سريعةٍ مباغتةٍ رغم ثقلها، لا تُنقِص سرعتُها من شدتها على رأس القارئ، ليفقد القارئ وعيه بذاته، ويُكمل القراءة رغم كآبة المحتوى، حتى يقع في النهاية أسيرًا لإرادة صنع الله، بل شريكًا له أحيانًا، مثل تحوّل القارئ، مع كثافة وصف أجواء السجن ووطأته وأحوال المسجونين القاسية، إلى شريكٍ معه في السجن، ليكره ما يكرهه، ويألف ما يألفه، ويكون في النهاية طَوْعَ إملاءاته القاسية وسطوته في الكتابة.

          إن رغبة الراوي في جلد القارئ بتكثيف وصف الأجواء البائسة والمقززة، وتكثيف الملل الكريه للنفس البشرية، هي ذاتها رغبة صنع الله الذي تعمّد هذا التكثيف، لينقل القارئ معه إلى أجواء رواياته، فيشاركه الشعور بالألم. ليس هذا استجداءً للتعاطف مع الراوي، بل جلبًا لوعي القارئ واستنهاضًا لمشاعره التي أماتتها ألفة الحياة اليومية، والبعد عن الأجواء البائسة غير المألوفة، مثل سجن السلطة أو سجن النفس، حين يُقيَّد الإنسان بوهم الخوف وأغلال القهر والتسلط والعادات والتقاليد، وحين لا يشعر ببعض اللحظات التي يرى فيها جمالًا ظاهرًا ولا يستمتع به. إن هذا الجمال هو مكمنُ الألم، ذلك الجمالُ الحبيسُ في نفس صنع الله، الذي يتركه حبيسًا في داخله، حيث يستبدله أو يغطي عليه سريعًا بلغته التي تستدعي ذكريات الألم والقهر والتقزّز والفجاجة في معظم رواياته.

 

الجسد والمكان، والإنسان

          تتشابك ثلاثة خيوط في روايات صنع الله، تتعقّد أحيانًا، وتنسحب أو يطول بعضها أحيانًا أخرى، ليصف بها الحالة الشعورية للإنسان، والجسد، والمكان. وتُشكّل هذه الخيوط الثلاثة أعمدته الرئيسية للسرد الروائي، في فوضويةٍ وتلقائيةٍ إنسانيةٍ يصوغ بها طريقته الروائية، ويمنح بها لنفسه حقّ النقد التفصيلي لكلّ ما لا يعجبه في الإنسان وجسده والمكان الذي يعيش فيه. ويخلق بصدماته المتتالية حالةً من الوعي يُصيب بها القارئ، وعيًا بالألم أراد أن ينقله إلى قرّائه بطريقةٍ حرفيةٍ طاغية، يُعرّي بها الإنسان المتجبّر، ويُعلن بها عن الإنسان الضحية المنكسر، حبيس جسده المُنتهَك أو المُنهَك بالألم، ومكان معيشته المُقيَّد بالسجن أو بسكنٍ كالسجن، أو ضلوعٍ إنسانيةٍ تنحبس فيها المشاعر الإنسانية الطبيعية.

          ربما يصف الراوي – صنع الله – بعض الأماكن في رواياته بدقة، ويذكر جمالها واتساقها، خاصةً في رواياته التي تدور أحداثها خارج مصر، ليس بغرض وصف الجمال أو نقله إلى القارئ وإبهاره بنتاج المدنية والحضارة التي تقف وراءها، بل بغرض المقارنة، واستدعاء الفشل الإداري، والانتكاس الحضاري، لاستحضار الإحساس الوطني بالخيبة والحزن، والانكسار على الذي صار. وقد امتد هذا الأسلوب في المقارنة إلى انتقاد البشر الذين يعيشون في تلك الأماكن الجميلة، كأنه يقول إن الحضارة ليست في مظاهر أبنيتها، بل في النظام العادل، وأبنيتها النظيفة المُوظَّفة لخدمة الإنسان ورفاهيته. لقد انتقد روسيا وألمانيا الشرقية في روايتيه "الجليد" و"برلين 69"، رغم انتمائه اليساري، ليؤكد حقيقة توظيف المدنية اليسارية، بأماكنها الجميلة وشوارعها المتسقة المنظمة، في خدمة السلطة والتسلط. كما انتقد أيضًا مدنية الليبرالية الأمريكية في روايته "أمريكانا"، التي تتحدث عن مدينة سان فرانسيسكو، بأماكنها وشوارعها الجميلة المنظمة، لكنها مدينةٌ تخلو من الأمان وتمتلئ بالمجرمين.

          ويغلب على طريقة صنع الله وصف "الجسد" ليسلب منه حركة "الجسم"، حيث تكررت صفات جسدية بعينها في معظم رواياته، مثل "البدانة"، وربطها بالسلوك الإنساني غير السوي، و"اكتناز المؤخرة"، وربطها بالرغبات الذكورية غير السوية، و"ترهل الجسد الأنثوي والذكوري"، ليسلب بها اتساق الجسم والسلوك، ويصف بها ترهل الروح. وقد صار الجسد مكانًا، كالأماكن غير النظيفة والمقززة التي برع في تصويرها، وأثرًا رمزيًا للقهر والسجن في معظم رواياته، ولا سيما في رواياته التي وصفت السجون، مثل "شرف"، و"تلك الرائحة"، و"يوميات الواحات"، ورمزًا للخيانة كما في "76"، أو للدونية كما في "ذات".

          واستغل الراوي – صنع الله – الجسد في ثنائية تقابلية كاستغلاله للمكان: جسدٌ بلا روح، وجسدٌ منتهكٌ مُهانٌ في السجن، يقابله سلوكٌ منضبطٌ ومنسحبٌ حتى لا يتعرض صاحبه للأذى، وجسدٌ أنثويٌّ جميلٌ فاسدٌ أو خائن، أو أجسادٌ ذكوريةٌ تُستَهم برغباتٍ مِثلية. ويستوي الجسد عند صنع الله بالأماكن الجميلة التي تنعدم فيها روح السكينة أو الأمان أو الحرية. وهو يُوظّف الجسد في رواياته كما يُوظّف المكان؛ فكلاهما مصدران لقلق الإنسان ومشاعره المقيّدة، وهما أداتان للسجن، والقهر، وعنف التسلط، يُوظّفهما لإيقاظ الوعي بانكسار الإنسان المعاصر، وتكثيف وطأة شعوره بالألم.

          أضعف صنع الله حبكات رواياته بتركيزه على ثلاثية الجسد والمكان والإنسان، التي خنقت خيوطُها العنكبوتية المتشابكة القارئَ المسكين، الذي سرعان ما استسلم لها، كما أضعفت هذه الثلاثية المتشابكة أدوارَ شخصياته في حبكاته الناعمة. وبدت حبكاته الروائية باهتةً مع الراوي – صنع الله – الطاغي بأسلوبه المتعمد، الذي يُكثّف به الألم ويكرره من خلال افتتاحياته الصادمة، ثم وصفه لألمه النفسي من خلال شعوره الذاتي الذي يُسقطه على شخصيات رواياته. لذلك ضعفت حبكاته الروائية عندما تعمّد إضعاف أدوار معظم شخصيات رواياته مقارنةً بشخصية الراوي الطاغي، كأنه استحضرهم ليُعبّر بهم عن شعوره بالألم والمعاناة، ثم يلفظهم، ويستبدلهم بغيرهم، أو يستغني عنهم. وظهر ذلك في تعدد الشخصيات العابرة في روايته دون أسماء، مثل الناس الذين يراهم في الشوارع، وفي المركبات والأماكن العامة، دون أن يكون لهم دور يُذكر، إلا إسقاط أفكاره التي تدور في رأسه لحظة رؤيتهم، ثم ينتقل إلى شخوصٍ غيرهم ليمارس بهم الدور نفسه.

          واستبدل ذروةَ الحبكةِ المعتادةِ في فنِّ كتابةِ الرواية، بذرواتٍ متعددةٍ لا تُحصى، ذرواتٍ متسارعةٍ ولاهثةٍ، ليُصوِّر بها أنواعَ الألم ووطأتَه على النفسِ البشرية. وتبدأ الذروةُ الواحدةُ منها ربما بكلمةٍ وتنتهي بكلمةٍ، أو تبدأ بجملةٍ وتنتهي بجملةٍ أو فقرةٍ، ثم يُسارع بالذروةِ الثانيةِ والثالثةِ حتى نهايةِ الرواية. ويعقب معظمَ هذه الذرواتِ المتسارعةِ والمُنضغِطةِ لغويًّا تفكُّكٌ أو أفولٌ سريعٌ للصراعِ النفسيِّ للراوي، الذي لا يُريح القارئَ في نهايةِ الذروةِ الواحدة، ليبدأ منها ذروةً جديدةً أخرى. وظهر ذلك جليًّا في طريقته التلغرافية التي يُوثِّق بها الأحداثَ المتتابعة. وكلما يستفيق القارئ، يجد نفسه أمام ذروةٍ تاليةٍ تُرهق نفسَه وتُنهكها، والغرضُ من ذلك استنفارُ الوعي ومشاركتُه عن طريقِ تصويرِه لوطأةِ الألم، حتى يرى القارئُ الجانبَ المفقودَ من حياةِ الآخرِ المقهور، ذلك الجانبَ المخفيَّ من حياةِ الإنسانِ الرافضِ، الذي كان يتوق إلى الحريةِ والتغيير، هو الإنسانُ الشجاعُ بالفطرة، عاشقُ الحريةِ، الذي انكسر وتحطَّم تحت وطأةِ الألم، والذي أصبح في سجنِه منسيًّا حتى بعد خروجه منه، ولا يدرِي عنه بنو جنسِه من المستكينين في بيوتهم وفي نفوسهم شيئًا.

    

 https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=889072             

الحوار المتمدن، 12/10/2025 

30‏/11‏/2011

الآليون الجدد د. رضا علي حسن

 قارب العام الخمسين من الألفية الثانية على الانتهاء، ولم ينتهِ الجدل بعد، فالقضية غاية في الإثارة، والجدل عميق. أنتم تعرفون أن نخبة من العلماء في الغرب واليابان والصين قد توصلوا إلى اختراع الإنسان الآلي شديد الشبه بالإنسان، فهو يشبهنا تمامًا من حيث الملامح الإنسانية، والبشرة، وليونة الحركة. وهو مُعَدٌّ ببرامج تجعله يتصرف ويفكر مثلنا في كافة الأمور المطلوبة منه، وهو قادر على حل معظم المشكلات اليومية والحياتية التي يقع فيها الإنسان الطبيعي. وفوق كل هذا، هو لا يحتاج إلى تحكم عن بُعد، فهو يدير نفسه بنفسه، وهو قادر على إصلاح برنامجه إذا تعرض البرنامج للتلف. هو لا يحتاج الإنسان الطبيعي إلا في حالات الضرورة القصوى، كإصلاح بعض الأعطال الفنية، أو تحديث برامج العمل، أو تزويده ببرنامج جديد وأوامر جديدة.

        أصبح الإنسان الآلي الآن ظاهرة مثيرة للجدل والخوف على مستقبل الإنسانية. فقد وضعت بريطانيا أول تشريع قانوني ينظم العلاقات بين الإنسان الطبيعي والإنسان الآلي، وأوصت التشريعات بأن يكون للإنسان الآلي شخصية قانونية وبطاقة هوية، فهو يقود السيارة، ويستخدم كروت الائتمان في الشراء، ويسكن المنازل، وعليه تقريبًا كافة الواجبات والحقوق المطلوبة من الإنسان الطبيعي. والإنسان الآلي الآن يؤدي كافة الأعمال التي يؤديها الإنسان الطبيعي، بل يتفوق على الإنسان الطبيعي في أداء كافة الأعمال الخطرة والدقيقة والقذرة.

        لذلك بدأت بريطانيا بهذه التشريعات القانونية التي تضمن بها تُحمِل هذا الإنسان الآلي وصاحبه كافة التبعات إذا أخطأ، ومحاسبتهما عند القيام بخطأ ما، وتبعت بريطانيا كافة الدول المتقدمة في سَن قوانين تضمن ضبط أداء الإنسان الآلي في كافة الشؤون.

        ولكن الوضع مختلف في مصر والعالم العربي. تهافت الأثرياء على شراء الإنسان الآلي للتباهي أو لاستغلاله في الذهاب إلى العمل بدلًا منهم، أو تأجيره بأسعار عالية لأداء كافة الأعمال التي يطلبها الآخرون. فهو يفعل أي شيء يطلبه منه صاحبه وفقًا للبرامج التي ينتجها الغرب والشرق. ونشأت فرق من المبرمجين العباقرة المصريين لوضع برامج أخرى يستطيع بها صاحب الإنسان الآلي توجيه آلته لأعمال البلطجة والسرقة والنهب. وشاعت الفوضى في المجتمع، فلا يوجد قانون لضبط أداء الإنسان الآلي، فهو يسرق ويبلطج ويزوِّر، ولا يستطيع أحد أن يحاسبه أو يحاسب صاحبه لأن القانون الحالي يفتقر إلى أي تشريعات تخص هذا الوضع.

        وأصبح الوضع في المؤسسة الدينية أشد اختلافًا. فأصدر الأزهر وثيقة توافقية توصي بالتفكير في هذه المستجدات الحديثة حتى يستفيد منها المجتمع دون الإخلال بثوابت الدين وروح الشريعة. واتخذت الكنيسة المصرية موقفًا مشابهًا من ذلك. وذهب كل أناس بمذهبهم، واتخذ بعض المستنيرين من المنتسبين للتيارات الدينية الإسلامية موقفًا مشابهًا لما توافق عليه الأزهر والكنيسة، وبدأوا في وضع برامج مفيدة تمكنهم من استغلال الإنسان الآلي كقوة للعمل في المصانع والأعمال الصعبة. وجاء تيار آخر ليكفّر الإنسان الآلي وصاحبه. وهدد فريق ثالث بتفجير أي إنسان آلي وتصفية صاحبه لأنه مفسد في الأرض. وبدأ مسلسل القتل والتفجير، حتى اكتشف المجتمع أن هذه التفجيرات تقضي على الإنسان الطبيعي، وأن الإنسان الآلي لا يُصاب بمكروه يُذكر لأنه دائمًا يهرب في الوقت المناسب ويستشعر بالخطر قبل حدوثه، على خلاف الإنسان الطبيعي.

وبدأ العقلاء من كل هذه الفرق في الاجتماع لدراسة الوضع والخروج من المأزق. وبعد التشاور، اكتشفوا أن المشكلة ليست في الإنسان الآلي، بل هي في الإنسان الطبيعي المستغل المستفيد. وقضوا بأن الإنسان الآلي بريء من كل ما نُسب إليه، ولابد من استغلاله فيما يفيد المجتمع. وانتهى الاجتماع بالاتفاق على أن الإنسان الآلي حلال، ويجب استغلاله فيما يفيد وينفع. ونسِي العقلاء التوصية بسنّ القوانين التي تضمن استغلال الإنسان الآلي استغلالًا نافعًا، ونسُوا محاسبة الإنسان الطبيعي على كل ما قام به من قتل وترويع في حق بني جلدته من الطبيعيين. ولم يستفيدوا من قوانين الغرب والشرق التي تنظم أداء الإنسان الآلي، والتي تحاسب صاحبه الطبيعي عند إساءة الاستخدام أو الإساءة إلى المجتمع.

        توقّف العنف بعد وثيقة العقلاء التي حلّلت الإنسان الآلي، وبدأ الجميع في استغلال الإنسان الآلي بطريقة مفيدة تتفق ومبادئه وتوجّهاته. وتبارى الفقهاء من كل فرقة في جواز استغلال الإنسان الآلي، فقام بعضهم بوضع برامج مفيدة في العمل المجتمعي العام. واستغلّوا الإنسان الآلي في الدعوة لأفكارهم بالنزول إلى الشوارع والأزقّة الخطرة. وقامت فرقة أخرى بتزويد الآلي ببرامج دينية تمكّنه من الدعوة بين الناس، وقام فريق ثالث بشراء أعداد كبيرة من الآلي لتزويده ببرنامج ديني واحد فقط للوقوف ضد الآليين من الفسقة الليبراليين والعلمانيين. وظهرت فرق من الآليين العراة تجوب الشوارع بحجّة أنهم أحرار يفعلون ما يريدون. وجاء من يطالب الجميع باقتناء الآلي المسلم والزواج من الآلية المسلمة. وظهرت مشاكل وآراء كثيرة عندما طُرحت مسألة صلاة الآلي أو الصلاة عليه عندما يتحطّم ويموت! وقال بعضهم إن من اقتنى آليًا غير مسلم سيصير كافرًا! وأجاز الفقهاء المتشدّدون جواز سكن المرأة وسفرها مع آلي خادم دون محرم لأنه ليس بإنسان! وأجاز آخرون مشروعية الزواج من أكثر من حورية آلية لأنه لا يوجد دليل على عدم الزواج بأكثر من أربع حوريات آليات! وظهر في الأسواق آليون لهم لحى طويلة ذات شكل معيّن لتُفرّق بين الآليين الإسلاميين والآليين العلمانيين الكفّار. وطرح بعض السياسيين حقّ الآلي في أن يكون له صوت في الانتخابات. فازداد إقبال الأحزاب على شراء الآلي توقّعًا لاستصدار قانون يجيز تصويت الآلي. وساد الجدل في الفضائيات حول مسائل آلية بحتة، ونسِي المثقفون وغير المثقفين الإنسان الطبيعي ومشاكله الطبيعية.

        وهكذا عاش الناس في تهافت على اقتناء الآلي بالنهار، والجلوس أمام التلفاز بالليل لمشاهدة قضاياه الساخنة. وامتلأت جيوب الدول المنتجة للإنسان الآلي في الغرب والشرق، كما امتلأت جيوب واضعي برامجه والمستفيدين منه.

بالأمس، في السابع عشر من نوفمبر 2011، انتهيتُ من كتابة السطر الأخير في قصة "الآليين الجدد" التي عرضتها عليكم في السطور السابقة. شكرتُ طفلي الصغير كثيرًا على الفكرة التي قدّمها لي على طبق من ذهب. جاءتني الفكرة عندما سألني: "هل توافق على أن يكون لي أبًا آليًا آمره بشراء الحلوى لي في أي وقت شئت؟ فأنت تمنعني من أكل الحلوى في أوقات كثيرة، فهذا الحل يريحني كثيرًا ويريحك أيضًا من إلحاحي!"

        ذهبتُ للنوم متأثرًا ومفكرًا في ما قاله لي صغيري، وزاد تأثري عند رؤية مشاهد متفرقة في التلفاز تتناحر فيها الفرق والأحزاب على كرسي الحكم ومقاعد البرلمان. وشعرتُ بأن الفرقاء السياسيين قد تخلّوا عن إنسانيتهم وعقولهم من أجل السلطة. وقلتُ لنفسي: لا فرق بين السلطة والحلوى التي طلبها مني طفلي الصغير، فهم تواقون إلى السلطة، يريدونها لأنفسهم، ويسعون إليها بشتى الطرق: بالغش، والخيانة، وخلط المفاهيم، وتغييب الناس عن عقولهم. فهم لصوص يجنون ثمار شجرة زرعها غيرهم من أجل أن يأكل منها الجميع.

        اشتدّ حزني قبل النوم عندما فكّرت في مستقبل صغيري الغامض، ثم استغرقتُ في نوم عميق! قمتُ منه فجأة على صوت صراخي: "أوقفوا الآليين عن شراء الحلوى، فلن أسمح لهم أن يقدّموها لطفلي حتى لا ينسى أبوّتي له. فهذا لن يكون!" وأخذتُ أكتب ما جاء في السطور متأثرًا بحزني وتشاؤمي، ووضعتُ لهذا اليوم تاريخًا قد يمتد حتى يراه طفلي بعد أربعين عامًا من الآن.

        أتمنى أن يعيش صغيري ليرى يومًا ينتصر فيه الإنسان الطبيعي لإنسانيته، ينتصر فيه على عزلته ووحدته، يفكّر فيه الإنسان بمنطق الإنسان الطبيعي، بعيدًا عن أفكار آلية معلّبة تفقده ما بقي له من ضمير وإنسانية. أحب أن أراه يصنع الحلوى بيديه، يتقاسمها مع أقرانه، فيأكل ويأكلون، ويهنأ ويهنؤون، لا يخطف ثمرة، ولا يستسلم لهمس الشياطين باختطافها.

سوف يأتي هذا اليوم غدًا أو بعد أربعين عامًا، لا محالة في ذلك، وسوف يراه صغيري أو ربما أراه أنا، لا فرق في ذلك. حياة الإنسان الطبيعي سوف تعود، وسوف يغلق كل آلي على نفسه علبته وينام في سكون.

        الثورة باتت حقيقة، تغيّر لها الواقع، والتغيير في استمرار حتى تكتمل ثمرة الحرية والمساواة. ولن توقفها أفكار معلّبة فاسدة، ولن يوقفها الآليون الجدد. وسوف نرى.

15‏/10‏/2010

جزر مصرية د. رضا علي حسن

 لا يتخيل عاقل وحيد يحيا على أرض مصر ما يجري لوطنه اليوم. لم يدر بخلده أبداً أن النيل الذي يروينا جميعاً بمياهه العذبة، والذي يسعنا لنعيش على أرضه الخصبة، أصبح مليئاً بالجزر المفتتة، كل جزيرة تسكنها مجموعة صغيرة أو فردٌ واحدٌ. كلٌّ يعيش في جزر متلاصقة كادت تسد مجرى النهر، يجهل كل من يعيش في هذه الجزر الكثير عن الآخر، لا يريد أن يسمع له، ولا يريد أن يصنع لنفسه زورقاً يقطع به المسافة التي تفصله عن جاره.

    رغم قصر المسافات الجغرافية التي تفصل المصري عن المصري، والتي تضيق يوماً بعد يوم، فالمسافات النفسية تتسع وتتزايد. فأصبحنا اليوم من كثرة الزحام أجساداً متلاصقة ونفوساً متباعدة، تحسبها عن بعد من شدة التلاصق بنياناً واحداً صلباً، وحينما تقترب ترى لبناته تتباعد، تفصلها طبقات إسمنتية كثيفة عازلة.

    أيُّ صورةٍ تلك التي نريد للعاقل أن يتخيلها؟ فمنطق الحياة يفترض أن تسكن النفس الجسد، وأن تتقارب النفوس فتتقارب الأجساد، أو تتباعد النفوس فتتباعد الأجساد. ولكن الصورة في مصر مختلفة، فهي أجساد متلاصقة لنفوس متباعدة.

          مفهوم التَجَزُّر في مصر له صورهُ المتعدّدة، نراه في المؤسسة، ونراه في العائلة، ونراه بين أفراد المجموعة الواحدة، كما نراه في الفرد الواحد. نأخذ على سبيل المثال مؤسسة حكومية تعليمية لها نسق حكومي مماثل لباقي المؤسسات التي تدير الحركة التعليمية في البلاد، نجدها مختلفة في نظمها وشؤون إدارتها الداخلية عن مثيلاتها من المؤسسات التعليمية الأخرى. هذه المؤسسة التعليمية في القاهرة تتبع نظاماً مغايراً لنفس المؤسسة التعليمية في محافظة صعيدية، بل يكون عدم التطابق هو الأصل بين مؤسستين متماثلتين في محافظة القاهرة مثلاً! فيهالنا ما نراه من شكوى لموظف تابع لمؤسسة تعليمية في القاهرة يريد أن ينتقل إلى فرع من فروع المؤسسة ذاتها بالقاهرة، يقول في شكواه إن أوراقاً معينة في مؤسسته الأولى لا يُعترف بها في الثانية، أو يجب أن يتم تعديلها وفقاً لنظام معين آخر!

          ونرى مفهوم التَجَزُّر في عائلة، لها أب واحد وأم واحدة! يتبع الأب أو الأم أسلوبًا جميلًا في معالجة قضية ما خاصة بابنٍ من أبنائهم مرة، ويتبعون أسلوبًا غير جميل في معالجة قضية مشابهة لطفل آخر من خارج العائلة أو من داخلها مرات عديدة! يقدمون لأبنائهم نصيحة يلتزمون بها ويعملون بها داخل الجدران، ولا شأن لهما التزم بها الأبناء خارج الجدران أم لم يلتزموا، وربما يبدر عن الأب أو الأم فعلًا ما يتناقض مع نصيحتهما داخل أو خارج جدران المنزل! فللبيت جدران تتوارى وراءهُ الكلمات والأفعال، كما للجزيرة حدود يذوب عنها كل شيء خارجها في الماء!

          قفزة أخرى لصحبة تجمعهم نسمة هواء، أو مائدة غذاء. تتحدث الصحبة كل يوم في أمور مختلفة، تنتقد ما يجري في البلاد، وما يجري في المؤسسة، وما يجري في العائلة، وتنتقد كل الأفراد. ويكون حديثهم صائبًا دائمًا لأنه قائم على وقائع ملموسة يعيشها كل فرد من أفراد المجموعة، تمس مؤسسته، وأسرته، وذاته. ويظل الكلام حبيس المجموعة، لا يتخطى المكان الذي يتنسمون في هوائه، ولا يبرح مائدة غذائهم كلما اجتمعوا على طعام. كلما دخل عليهم وافد من جزيرة أخرى، امتنعوا عن الكلام المباح وغير المباح. يعيشون في جزيرتهم يتكلمون، ويعلمون أن هناك آخرين يتحدثون مثلهم في جزر أخرى قريبة، فيظل كل في مكانه تحدوه الرغبة في الحديث، ولا يخامره نزوع إلى إبحار أو حتى اتصال. هذا هو هواؤنا، نشمه وحدنا نسيمًا أو سمومًا، وهذا هو طعامنا وحدنا، نأكله طيبًا أو خبيثًا.

          تنتهي أمثلتنا عند الفرد. فهو جزيرة منفصلة بذاته، وفي نفسه جزر أخرى لا يكاد يدركها. فعلى مستوى الجماعة نحن أفراد نتعامل وفق نظم الجماعة عندما لا تتعارض هذه النظم مع مكنونات ذواتنا، فنصفق لهذه النظم لأنها مفيدة، وننهال عليها نقدًا وتقريظًا عندما لا نقع في دائرة فائدتها، أو حينما تتعارض هذه الفائدة مع مصالحنا وأغراضنا. نعم للجماعة عندما توافقنا، ولا للجماعة عندما تخالفنا. نحن ساكنو جزيرتكم إذا كنتم معنا، ولنسكن جزيرة أخرى إذا كنتم علينا. وعلى المستوى الفردي البحت، نجد الفرد منا تمزقه نوازع مختلفة، فحينا تسيطر علينا نوازع مادية فلا نهتم بأي شيء إلا المادة، فتصبح نفوسنا جزرًا مادية مغلقة لا تقبل فيها أيَّة نوازع أخرى غير مادية. نظل في جزيرتنا النفسية حينًا من الوقت حتى تزول رغباتنا الأولى أو تنكسر، لتتلاطمنا رغبات ونوازع أخرى تعزلنا عن حقيقة أنفسنا كما تعزلنا عن الآخرين حينًا آخر من الوقت. ويصبح الفرد رهين مصلحته على مستوى الجماعة، ويصبح رهين رغباته على مستوى الفرد. يخالف حقيقة الجماعة عندما يحس أن هذه الحقيقة تتعارض مع ما يريد، فينعزل في جزيرته وحيدًا، ويخالف حقيقة نفسه عندما تتنازعه رغبة تسيطر عليه، فينعزل عن جادة نفسه في جزيرة رغبته.

          الفرد نسيج الجماعة، تتكون منه الجماعة كما يتكون الثوب من نسيجه. كما أن الفرد منتج الثقافة، فيكون إنتاجه وإسهامه في ثقافة مجتمعه دينًا ونهجًا له ولمجتمعه. وتأتي إسهامات الفرد في ثقافة مجتمعه على قدر تماسك النسيج في الثوب، فإذا انفرطت عقدة النسيج، ترهل الثوب وتمزق. وإذا تمزق الثوب تعرّى الجسد، وعندما يتعرّى الجسد فلن ينتج ثقافة إلا ثقافة الجزر، يكون أساسها أجساد عارية متلاصقة، يذهب بها ضيقها من نفسها ومن غيرها إلى التباعد والتشتت. فلا هي نفوس رضيت عن نفسها، ولا هي رضيت عن الآخرين، فتفرقت الأجساد رغم التلاصق، وتباعدت النفوس كارهة لنفسها، لاعنة لغيرها.

          لم نألف نحن المصريون صورة النهر مليئا بالجزر، ونفرح دائما عندما يغطى الماء الجزيرة فيطمسها بخيراته وبركاته. ونفرح دائما لصورة المصرى الفقير يشاطر اخيه المصرى لقمته، ونحزن كل الحزن إذا أجبرته ظروف العيش على أن يضن على أخيه أو ينزع عن فمه لقمة كانت لهما سويا.  كما نحزن كثيرا إذا رأينا مصريا أفاء الله عليه من نعمه فجحدها ومنعها عن إخوته. وينفطر القلب إذا رأينا من ينهل من النهر ويستأثر بخيراته ويعيش منغلقا فى أجمل جزيرة به، غير آبه بما يجره انغلاقه عن غيره من مضار، وغير مقدر لعواقب قدرها الله على كل من يستأثر بنعمته دون غيره من الناس.

          لم نألف نحن المصريون صورة النهر مليئًا بالجزر، ونفرح دائمًا عندما يغطي الماء الجزيرة فيطمسها بخيراته وبركاته. ونفرح دائمًا لصورة المصري الفقير يشاطر أخيه المصري لقمته، ونحزن كل الحزن إذا أجبرته ظروف العيش على أن يضن على أخيه أو ينزع عن فمه لقمة كانت لهما سويًّا. كما نحزن كثيرًا إذا رأينا مصريًا أفاء الله عليه من نعمه فجحدها ومنعها عن إخوته. وينفطر القلب إذا رأينا من ينهل من النهر ويستأثر بخيراته ويعيش منغلقًا في أجمل جزيرة به، غير آبه بما يجرّهُ انغلاقه عن غيره من مضار، وغير مُقدِّر لعواقب قدّرها الله على كل من يستأثر بنعمته دون غيره من الناس.

          متى يعود طمي النيل الرائق ليجدد الأرض وينقيها؟ يعود ليبدل تلك العوازل الأسمنتية التي تفصل بين الأجساد والنفوس بطبقات من الطمي تقوّي ولا تفصل، تذوب فيها الفوارق المادية وتحفظ بها مراتب الاحترام والتقدير. متى تعود ثقافتنا الطميّة؟ تعود بطميها الطبيعي الذي خلقه الله فتطمس معالم الجزر، وتمد قنوات الاتصال، وتغمر الجميع بالخير، يأخذ الفقير نصيبه المقدّر له فيرضى، ويأخذ الغني نصيبه المقدّر له لينعم ويغدق. فلا ينقم فقير، ولا يتجبر غني. متى تعود ثقافة الجسور؟ تعود لتوحد نظم المؤسسات، وتعيد صواب العائلة والجماعة، وتحفظ للفرد توازنه وعقله. هل حقًّا سيعود عهد النيل السعيد؟ أهذا أمل لعقل يحلم، أم حلم لمواطن يهذي؟

  نشرت في دنيا الوطن في 15-10-2010

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2007/10/15/107225.html

  

13‏/05‏/2010

أخلاق بلا دين ! د. رضا على حسن

مقرر دراسي جديد أطلقوا عليه "لأخلاق" جنباً إلى جنب مع مادة الدين، هكذا قرأت في الصحيفة ذات صباح. تذكرت حينها "أرض النفاق" وهي رواية كتبها يوسف السباعي منذ سنين عديدة صور فيها نفسه متجولا في شارع وإذ به يرى لافتة معلقة على حانوت صغير كتب عليه "تاجر الأخلاق بالجملة والقطاعي". صدمتني الرواية عندما قرأتها في صغري لأنها تخالف كل ما تعلمته في المدرسة من أخلاق.  وها أنا اليوم أستعيد صدمة الماضي عندما قرأت إعلان الوزير ومفتي الجمهورية عن مادة جديدة تسمى الأخلاق في كتاب يكون مقررا على الطلاب العام القادم.

          عدت بذاكرتي إلى الماضي أستحضر فيه أسئلة وجهتها إلى أبي، وهو من رجال التعليم في الماضي الجميل، سألته هل يوجد هناك تجارة للأخلاق، هل ما كتبه يوسف السباعي حقيقي، هل تستطيع أن تدلني على هذا التاجر كي أبتاع منه ما يكفيني من الشجاعة والبطولة حتى نهزم أعداءنا ونعيد أرضنا المحتلة. كان هذا هو هدفي: أن أهزم الأعداء. وذهبت إلى المدرسة أشارك زملائي فيما قرأت فأخذنا نحلم بهذا التاجر لنشتري لأنفسنا قدرا من الشجاعة تمكننا من هزيمة الأعداء. هكذا كنا نفكر، ولم يتطرق إلى تفكيرنا نحن الصغار أن نشتري قدرا من القوة تمكننا أن نستولي بها على بنك فنصبح أغنياء بين يوم وليلة، فنشتري الحلوى واللُّعَب لنأكل ونلهو. كان لنا هدفا واحدا مشتركا، وكنا نفكر فيما ينفع الوطن، وكنا نعي جيدا أن من يسرق يصير لصا، وأن اللص يعيش خائفا وجبانا ينفر منه الناس أينما ذهب. هذه كانت أخلاقنا بغير مادة للأخلاق.

          جاء اليوم الذي نكتب فيه الأخلاق في ورق ثم نبيعه للطلاب! وكأن الأخلاق هي شيء منفصل عن الدين والعلم والعمل. سؤال بسيط أطرحه على واضعي منهج الأخلاق ألا وهو كيف نضرب مثلا للشجاعة أو الأمانة أو الكرامة أو السماحة أو التضحية دون أن تكون هذه الأمثلة من التاريخ الإسلامي أو المسيحي؟ هل يوجد في التاريخ الوثني أمثلة كاملة لهذه القيم؟ هل سيكتفي واضعي هذا المنهج بتعريف هذه القيم دون أمثلة من التاريخ أو دون تطبيق؟ هل تكون هذه القيم على شكل افعل ولا تفعل، هذا صواب وهذا خطأ دون قاعدة قيمية أو أخلاقية؟ أسئلة كثيرة لا أدري لها إجابة وأظن أنهم أيضا لا يعرفون لها إجابة.

          وإذا قلنا في كتاب الأخلاق الجديد أن السرقة حرام، فسوف تقودنا فطرة الطالب إلى السؤال عن ما هو الحرام؟ فيجيبه مدرس الأخلاق هذا ليس من تخصصي فلا توجد له إجابة في منهج الأخلاق، اذهب إلى مدرس الدين، يجيبك على هذا السؤال، فهذا في تخصصه! وإذا قلنا في كتاب الأخلاق الجديد أن السرقة خطأ فادح، فسيسألنا الطالب لماذا تكون السرقة خطأ؟ فبماذا يجيبه مدرس الأخلاق، هل سيقول له لأن وزارة التربية والتعليم تقول أن السرقة فعل خاطئ، وأن تبرير هذا الخطأ أو الإجابة على هذا السؤال يكون في حصة الدين. أتخيل أن وزير التربية والتعليم يرى أن يكون السؤال في حصة الأخلاق والإجابة في حصة الدين، ولكنى لا أتوقع أن فضيلة المفتى يوافقه على ذلك! ولكن هذا ما حدث.

         وإذا اكتفى واضعو منهج الأخلاق بالمعاملات، كجرم الغش مثلا، فسيكون للطالب نفس السؤال: لماذا يكون الغش خللا أخلاقيا؟  فبماذا تكون الإجابة؟ أما إذا اقتصرت مادة الأخلاق على تعليم الطلاب (الإتيكيت) أو الآداب المتعلقة بالملبس وطريقة الأكل والشرب والكلام والنظافة، فهذا كله مفصل في الدين ولقد أخذه الغرب عنا فتقدم وتفوق فيه، وأهملناه نحن عندما اقتصر الدين على الشكل وترك الجوهر.

          والآن نتحدث عن مادة الدين، كيف ندرسها والأخلاق جوهرها؟ هل ننزع عن الدين أخلاقه؟ هل نكتفي بتعليم الطلاب كيفية الصلاة في درس الدين، ولا نقول له أن المصلي لا يغش، ولا يكذب، ولا ينافق، لأن الغش والكذب والنفاق من شأن درس الأخلاق. الأخلاق جزء لا ينفصل عن الديانات الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام، حتى جاء الإسلام فتمم مكارم الأخلاق وصدق على ما جاءت به الديانات السابقة وأظهرها في أكمل صورها. والأخلاق هي محل اتفاق كل الديانات السماوية، فكيف نفصلها عن الدين، وكيف نفصل الدين عنها؟

          أرى أن تكون الأخلاق والمعاملات بابا في كتاب الدين الإسلامي والمسيحي، فهذا مقبول ومنطقي. كما أرى ألا نكتفي في كتب الدين بشرح العبادات، بل يجب علينا شرح المقاصد والغايات من ورائها، وأن نبسط للطلاب لماذا نصلي، لماذا نبتعد عن الغش، لماذا نحب الأمانة والنظافة والصدق والشجاعة والتسامح. يستطيع معلم الدين أن يبسط كل هذه الفضائل، كما يستطيع معلم العلوم أو الرياضيات، ومعلمو اللغات، أن يهذبوا أخلاق الطلاب عن طريق موضوعات دراسية وقصص تحبب الطلاب في القيم والأخلاق. وذلك يتم بدون كتاب منفصل للأخلاق يشكل عبئا جديدا على الطلاب. نحن لسنا في حاجة إلى أسفار جديدة يحملها الطالب ولا يعيها، وتتحمل نفقاتها الدولة بلا عائد وبلا مردود أخلاقي أو مادي. نحن بحاجة إلى أخلاق فعلية يراها الطالب في مُدَرِسه نموذجا يحتذى، فيقلده لأنه يحبه، كما يقلد أبيه وأمه لأنه يحبهما، فلا يجد الطالب فارقا أخلاقيا بين ما تلقنه إياه أسرته بالمنزل وما يتعلمه من مدرسيه في الفصل، ويكون هذا في انسجام واتفاق شفهي وفعلي بين البيت والمدرسة بدون كتاب وورق وأسفار لا يعيها الطالب ولا يقتنع بها المدرس والبيت.

          الصدق سيد الأخلاق، تعلمنا هذه العبارة في الصغر. ولقد كبرنا الآن ونستطيع أن نفهم لماذا تربع الصدق على عرش الأخلاق. فهل يقول لنا الوزير والمفتي ما هو السر وراء فصل الدين عن الأخلاق؟ لقد أكثرت من الأسئلة وأسرفت في استخدام علامات التعجب لأعرف هذا السر، وإن كنت أعرفه وتعرفونه. فأنا تنقصني فضيلة الشجاعة كي أجيبكم عما أعرف، أو قد تنقصني فضيلة الصبر عن الإجابة، فربما تجيء إجابتي مُطَوَّلة في كتاب أبغضه عن الأخلاق، خاصة إذا كانت هذه الأخلاق بلا دين.

 نشرت في دنيا الوطن 13-05-2010

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2010/05/13/197931.html

ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالم...