30‏/11‏/2011

الآليون الجدد د. رضا علي حسن

 قارب العام الخمسين من الألفية الثانية على الانتهاء، ولم ينتهِ الجدل بعد، فالقضية غاية في الإثارة، والجدل عميق. أنتم تعرفون أن نخبة من العلماء في الغرب واليابان والصين قد توصلوا إلى اختراع الإنسان الآلي شديد الشبه بالإنسان، فهو يشبهنا تمامًا من حيث الملامح الإنسانية، والبشرة، وليونة الحركة. وهو مُعَدٌّ ببرامج تجعله يتصرف ويفكر مثلنا في كافة الأمور المطلوبة منه، وهو قادر على حل معظم المشكلات اليومية والحياتية التي يقع فيها الإنسان الطبيعي. وفوق كل هذا، هو لا يحتاج إلى تحكم عن بُعد، فهو يدير نفسه بنفسه، وهو قادر على إصلاح برنامجه إذا تعرض البرنامج للتلف. هو لا يحتاج الإنسان الطبيعي إلا في حالات الضرورة القصوى، كإصلاح بعض الأعطال الفنية، أو تحديث برامج العمل، أو تزويده ببرنامج جديد وأوامر جديدة.

        أصبح الإنسان الآلي الآن ظاهرة مثيرة للجدل والخوف على مستقبل الإنسانية. فقد وضعت بريطانيا أول تشريع قانوني ينظم العلاقات بين الإنسان الطبيعي والإنسان الآلي، وأوصت التشريعات بأن يكون للإنسان الآلي شخصية قانونية وبطاقة هوية، فهو يقود السيارة، ويستخدم كروت الائتمان في الشراء، ويسكن المنازل، وعليه تقريبًا كافة الواجبات والحقوق المطلوبة من الإنسان الطبيعي. والإنسان الآلي الآن يؤدي كافة الأعمال التي يؤديها الإنسان الطبيعي، بل يتفوق على الإنسان الطبيعي في أداء كافة الأعمال الخطرة والدقيقة والقذرة.

        لذلك بدأت بريطانيا بهذه التشريعات القانونية التي تضمن بها تُحمِل هذا الإنسان الآلي وصاحبه كافة التبعات إذا أخطأ، ومحاسبتهما عند القيام بخطأ ما، وتبعت بريطانيا كافة الدول المتقدمة في سَن قوانين تضمن ضبط أداء الإنسان الآلي في كافة الشؤون.

        ولكن الوضع مختلف في مصر والعالم العربي. تهافت الأثرياء على شراء الإنسان الآلي للتباهي أو لاستغلاله في الذهاب إلى العمل بدلًا منهم، أو تأجيره بأسعار عالية لأداء كافة الأعمال التي يطلبها الآخرون. فهو يفعل أي شيء يطلبه منه صاحبه وفقًا للبرامج التي ينتجها الغرب والشرق. ونشأت فرق من المبرمجين العباقرة المصريين لوضع برامج أخرى يستطيع بها صاحب الإنسان الآلي توجيه آلته لأعمال البلطجة والسرقة والنهب. وشاعت الفوضى في المجتمع، فلا يوجد قانون لضبط أداء الإنسان الآلي، فهو يسرق ويبلطج ويزوِّر، ولا يستطيع أحد أن يحاسبه أو يحاسب صاحبه لأن القانون الحالي يفتقر إلى أي تشريعات تخص هذا الوضع.

        وأصبح الوضع في المؤسسة الدينية أشد اختلافًا. فأصدر الأزهر وثيقة توافقية توصي بالتفكير في هذه المستجدات الحديثة حتى يستفيد منها المجتمع دون الإخلال بثوابت الدين وروح الشريعة. واتخذت الكنيسة المصرية موقفًا مشابهًا من ذلك. وذهب كل أناس بمذهبهم، واتخذ بعض المستنيرين من المنتسبين للتيارات الدينية الإسلامية موقفًا مشابهًا لما توافق عليه الأزهر والكنيسة، وبدأوا في وضع برامج مفيدة تمكنهم من استغلال الإنسان الآلي كقوة للعمل في المصانع والأعمال الصعبة. وجاء تيار آخر ليكفّر الإنسان الآلي وصاحبه. وهدد فريق ثالث بتفجير أي إنسان آلي وتصفية صاحبه لأنه مفسد في الأرض. وبدأ مسلسل القتل والتفجير، حتى اكتشف المجتمع أن هذه التفجيرات تقضي على الإنسان الطبيعي، وأن الإنسان الآلي لا يُصاب بمكروه يُذكر لأنه دائمًا يهرب في الوقت المناسب ويستشعر بالخطر قبل حدوثه، على خلاف الإنسان الطبيعي.

وبدأ العقلاء من كل هذه الفرق في الاجتماع لدراسة الوضع والخروج من المأزق. وبعد التشاور، اكتشفوا أن المشكلة ليست في الإنسان الآلي، بل هي في الإنسان الطبيعي المستغل المستفيد. وقضوا بأن الإنسان الآلي بريء من كل ما نُسب إليه، ولابد من استغلاله فيما يفيد المجتمع. وانتهى الاجتماع بالاتفاق على أن الإنسان الآلي حلال، ويجب استغلاله فيما يفيد وينفع. ونسِي العقلاء التوصية بسنّ القوانين التي تضمن استغلال الإنسان الآلي استغلالًا نافعًا، ونسُوا محاسبة الإنسان الطبيعي على كل ما قام به من قتل وترويع في حق بني جلدته من الطبيعيين. ولم يستفيدوا من قوانين الغرب والشرق التي تنظم أداء الإنسان الآلي، والتي تحاسب صاحبه الطبيعي عند إساءة الاستخدام أو الإساءة إلى المجتمع.

        توقّف العنف بعد وثيقة العقلاء التي حلّلت الإنسان الآلي، وبدأ الجميع في استغلال الإنسان الآلي بطريقة مفيدة تتفق ومبادئه وتوجّهاته. وتبارى الفقهاء من كل فرقة في جواز استغلال الإنسان الآلي، فقام بعضهم بوضع برامج مفيدة في العمل المجتمعي العام. واستغلّوا الإنسان الآلي في الدعوة لأفكارهم بالنزول إلى الشوارع والأزقّة الخطرة. وقامت فرقة أخرى بتزويد الآلي ببرامج دينية تمكّنه من الدعوة بين الناس، وقام فريق ثالث بشراء أعداد كبيرة من الآلي لتزويده ببرنامج ديني واحد فقط للوقوف ضد الآليين من الفسقة الليبراليين والعلمانيين. وظهرت فرق من الآليين العراة تجوب الشوارع بحجّة أنهم أحرار يفعلون ما يريدون. وجاء من يطالب الجميع باقتناء الآلي المسلم والزواج من الآلية المسلمة. وظهرت مشاكل وآراء كثيرة عندما طُرحت مسألة صلاة الآلي أو الصلاة عليه عندما يتحطّم ويموت! وقال بعضهم إن من اقتنى آليًا غير مسلم سيصير كافرًا! وأجاز الفقهاء المتشدّدون جواز سكن المرأة وسفرها مع آلي خادم دون محرم لأنه ليس بإنسان! وأجاز آخرون مشروعية الزواج من أكثر من حورية آلية لأنه لا يوجد دليل على عدم الزواج بأكثر من أربع حوريات آليات! وظهر في الأسواق آليون لهم لحى طويلة ذات شكل معيّن لتُفرّق بين الآليين الإسلاميين والآليين العلمانيين الكفّار. وطرح بعض السياسيين حقّ الآلي في أن يكون له صوت في الانتخابات. فازداد إقبال الأحزاب على شراء الآلي توقّعًا لاستصدار قانون يجيز تصويت الآلي. وساد الجدل في الفضائيات حول مسائل آلية بحتة، ونسِي المثقفون وغير المثقفين الإنسان الطبيعي ومشاكله الطبيعية.

        وهكذا عاش الناس في تهافت على اقتناء الآلي بالنهار، والجلوس أمام التلفاز بالليل لمشاهدة قضاياه الساخنة. وامتلأت جيوب الدول المنتجة للإنسان الآلي في الغرب والشرق، كما امتلأت جيوب واضعي برامجه والمستفيدين منه.

بالأمس، في السابع عشر من نوفمبر 2011، انتهيتُ من كتابة السطر الأخير في قصة "الآليين الجدد" التي عرضتها عليكم في السطور السابقة. شكرتُ طفلي الصغير كثيرًا على الفكرة التي قدّمها لي على طبق من ذهب. جاءتني الفكرة عندما سألني: "هل توافق على أن يكون لي أبًا آليًا آمره بشراء الحلوى لي في أي وقت شئت؟ فأنت تمنعني من أكل الحلوى في أوقات كثيرة، فهذا الحل يريحني كثيرًا ويريحك أيضًا من إلحاحي!"

        ذهبتُ للنوم متأثرًا ومفكرًا في ما قاله لي صغيري، وزاد تأثري عند رؤية مشاهد متفرقة في التلفاز تتناحر فيها الفرق والأحزاب على كرسي الحكم ومقاعد البرلمان. وشعرتُ بأن الفرقاء السياسيين قد تخلّوا عن إنسانيتهم وعقولهم من أجل السلطة. وقلتُ لنفسي: لا فرق بين السلطة والحلوى التي طلبها مني طفلي الصغير، فهم تواقون إلى السلطة، يريدونها لأنفسهم، ويسعون إليها بشتى الطرق: بالغش، والخيانة، وخلط المفاهيم، وتغييب الناس عن عقولهم. فهم لصوص يجنون ثمار شجرة زرعها غيرهم من أجل أن يأكل منها الجميع.

        اشتدّ حزني قبل النوم عندما فكّرت في مستقبل صغيري الغامض، ثم استغرقتُ في نوم عميق! قمتُ منه فجأة على صوت صراخي: "أوقفوا الآليين عن شراء الحلوى، فلن أسمح لهم أن يقدّموها لطفلي حتى لا ينسى أبوّتي له. فهذا لن يكون!" وأخذتُ أكتب ما جاء في السطور متأثرًا بحزني وتشاؤمي، ووضعتُ لهذا اليوم تاريخًا قد يمتد حتى يراه طفلي بعد أربعين عامًا من الآن.

        أتمنى أن يعيش صغيري ليرى يومًا ينتصر فيه الإنسان الطبيعي لإنسانيته، ينتصر فيه على عزلته ووحدته، يفكّر فيه الإنسان بمنطق الإنسان الطبيعي، بعيدًا عن أفكار آلية معلّبة تفقده ما بقي له من ضمير وإنسانية. أحب أن أراه يصنع الحلوى بيديه، يتقاسمها مع أقرانه، فيأكل ويأكلون، ويهنأ ويهنؤون، لا يخطف ثمرة، ولا يستسلم لهمس الشياطين باختطافها.

سوف يأتي هذا اليوم غدًا أو بعد أربعين عامًا، لا محالة في ذلك، وسوف يراه صغيري أو ربما أراه أنا، لا فرق في ذلك. حياة الإنسان الطبيعي سوف تعود، وسوف يغلق كل آلي على نفسه علبته وينام في سكون.

        الثورة باتت حقيقة، تغيّر لها الواقع، والتغيير في استمرار حتى تكتمل ثمرة الحرية والمساواة. ولن توقفها أفكار معلّبة فاسدة، ولن يوقفها الآليون الجدد. وسوف نرى.

ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالم...