15‏/10‏/2010

جزر مصرية د. رضا علي حسن

 لا يتخيل عاقل وحيد يحيا على أرض مصر ما يجري لوطنه اليوم. لم يدر بخلده أبداً أن النيل الذي يروينا جميعاً بمياهه العذبة، والذي يسعنا لنعيش على أرضه الخصبة، أصبح مليئاً بالجزر المفتتة، كل جزيرة تسكنها مجموعة صغيرة أو فردٌ واحدٌ. كلٌّ يعيش في جزر متلاصقة كادت تسد مجرى النهر، يجهل كل من يعيش في هذه الجزر الكثير عن الآخر، لا يريد أن يسمع له، ولا يريد أن يصنع لنفسه زورقاً يقطع به المسافة التي تفصله عن جاره.

    رغم قصر المسافات الجغرافية التي تفصل المصري عن المصري، والتي تضيق يوماً بعد يوم، فالمسافات النفسية تتسع وتتزايد. فأصبحنا اليوم من كثرة الزحام أجساداً متلاصقة ونفوساً متباعدة، تحسبها عن بعد من شدة التلاصق بنياناً واحداً صلباً، وحينما تقترب ترى لبناته تتباعد، تفصلها طبقات إسمنتية كثيفة عازلة.

    أيُّ صورةٍ تلك التي نريد للعاقل أن يتخيلها؟ فمنطق الحياة يفترض أن تسكن النفس الجسد، وأن تتقارب النفوس فتتقارب الأجساد، أو تتباعد النفوس فتتباعد الأجساد. ولكن الصورة في مصر مختلفة، فهي أجساد متلاصقة لنفوس متباعدة.

          مفهوم التَجَزُّر في مصر له صورهُ المتعدّدة، نراه في المؤسسة، ونراه في العائلة، ونراه بين أفراد المجموعة الواحدة، كما نراه في الفرد الواحد. نأخذ على سبيل المثال مؤسسة حكومية تعليمية لها نسق حكومي مماثل لباقي المؤسسات التي تدير الحركة التعليمية في البلاد، نجدها مختلفة في نظمها وشؤون إدارتها الداخلية عن مثيلاتها من المؤسسات التعليمية الأخرى. هذه المؤسسة التعليمية في القاهرة تتبع نظاماً مغايراً لنفس المؤسسة التعليمية في محافظة صعيدية، بل يكون عدم التطابق هو الأصل بين مؤسستين متماثلتين في محافظة القاهرة مثلاً! فيهالنا ما نراه من شكوى لموظف تابع لمؤسسة تعليمية في القاهرة يريد أن ينتقل إلى فرع من فروع المؤسسة ذاتها بالقاهرة، يقول في شكواه إن أوراقاً معينة في مؤسسته الأولى لا يُعترف بها في الثانية، أو يجب أن يتم تعديلها وفقاً لنظام معين آخر!

          ونرى مفهوم التَجَزُّر في عائلة، لها أب واحد وأم واحدة! يتبع الأب أو الأم أسلوبًا جميلًا في معالجة قضية ما خاصة بابنٍ من أبنائهم مرة، ويتبعون أسلوبًا غير جميل في معالجة قضية مشابهة لطفل آخر من خارج العائلة أو من داخلها مرات عديدة! يقدمون لأبنائهم نصيحة يلتزمون بها ويعملون بها داخل الجدران، ولا شأن لهما التزم بها الأبناء خارج الجدران أم لم يلتزموا، وربما يبدر عن الأب أو الأم فعلًا ما يتناقض مع نصيحتهما داخل أو خارج جدران المنزل! فللبيت جدران تتوارى وراءهُ الكلمات والأفعال، كما للجزيرة حدود يذوب عنها كل شيء خارجها في الماء!

          قفزة أخرى لصحبة تجمعهم نسمة هواء، أو مائدة غذاء. تتحدث الصحبة كل يوم في أمور مختلفة، تنتقد ما يجري في البلاد، وما يجري في المؤسسة، وما يجري في العائلة، وتنتقد كل الأفراد. ويكون حديثهم صائبًا دائمًا لأنه قائم على وقائع ملموسة يعيشها كل فرد من أفراد المجموعة، تمس مؤسسته، وأسرته، وذاته. ويظل الكلام حبيس المجموعة، لا يتخطى المكان الذي يتنسمون في هوائه، ولا يبرح مائدة غذائهم كلما اجتمعوا على طعام. كلما دخل عليهم وافد من جزيرة أخرى، امتنعوا عن الكلام المباح وغير المباح. يعيشون في جزيرتهم يتكلمون، ويعلمون أن هناك آخرين يتحدثون مثلهم في جزر أخرى قريبة، فيظل كل في مكانه تحدوه الرغبة في الحديث، ولا يخامره نزوع إلى إبحار أو حتى اتصال. هذا هو هواؤنا، نشمه وحدنا نسيمًا أو سمومًا، وهذا هو طعامنا وحدنا، نأكله طيبًا أو خبيثًا.

          تنتهي أمثلتنا عند الفرد. فهو جزيرة منفصلة بذاته، وفي نفسه جزر أخرى لا يكاد يدركها. فعلى مستوى الجماعة نحن أفراد نتعامل وفق نظم الجماعة عندما لا تتعارض هذه النظم مع مكنونات ذواتنا، فنصفق لهذه النظم لأنها مفيدة، وننهال عليها نقدًا وتقريظًا عندما لا نقع في دائرة فائدتها، أو حينما تتعارض هذه الفائدة مع مصالحنا وأغراضنا. نعم للجماعة عندما توافقنا، ولا للجماعة عندما تخالفنا. نحن ساكنو جزيرتكم إذا كنتم معنا، ولنسكن جزيرة أخرى إذا كنتم علينا. وعلى المستوى الفردي البحت، نجد الفرد منا تمزقه نوازع مختلفة، فحينا تسيطر علينا نوازع مادية فلا نهتم بأي شيء إلا المادة، فتصبح نفوسنا جزرًا مادية مغلقة لا تقبل فيها أيَّة نوازع أخرى غير مادية. نظل في جزيرتنا النفسية حينًا من الوقت حتى تزول رغباتنا الأولى أو تنكسر، لتتلاطمنا رغبات ونوازع أخرى تعزلنا عن حقيقة أنفسنا كما تعزلنا عن الآخرين حينًا آخر من الوقت. ويصبح الفرد رهين مصلحته على مستوى الجماعة، ويصبح رهين رغباته على مستوى الفرد. يخالف حقيقة الجماعة عندما يحس أن هذه الحقيقة تتعارض مع ما يريد، فينعزل في جزيرته وحيدًا، ويخالف حقيقة نفسه عندما تتنازعه رغبة تسيطر عليه، فينعزل عن جادة نفسه في جزيرة رغبته.

          الفرد نسيج الجماعة، تتكون منه الجماعة كما يتكون الثوب من نسيجه. كما أن الفرد منتج الثقافة، فيكون إنتاجه وإسهامه في ثقافة مجتمعه دينًا ونهجًا له ولمجتمعه. وتأتي إسهامات الفرد في ثقافة مجتمعه على قدر تماسك النسيج في الثوب، فإذا انفرطت عقدة النسيج، ترهل الثوب وتمزق. وإذا تمزق الثوب تعرّى الجسد، وعندما يتعرّى الجسد فلن ينتج ثقافة إلا ثقافة الجزر، يكون أساسها أجساد عارية متلاصقة، يذهب بها ضيقها من نفسها ومن غيرها إلى التباعد والتشتت. فلا هي نفوس رضيت عن نفسها، ولا هي رضيت عن الآخرين، فتفرقت الأجساد رغم التلاصق، وتباعدت النفوس كارهة لنفسها، لاعنة لغيرها.

          لم نألف نحن المصريون صورة النهر مليئا بالجزر، ونفرح دائما عندما يغطى الماء الجزيرة فيطمسها بخيراته وبركاته. ونفرح دائما لصورة المصرى الفقير يشاطر اخيه المصرى لقمته، ونحزن كل الحزن إذا أجبرته ظروف العيش على أن يضن على أخيه أو ينزع عن فمه لقمة كانت لهما سويا.  كما نحزن كثيرا إذا رأينا مصريا أفاء الله عليه من نعمه فجحدها ومنعها عن إخوته. وينفطر القلب إذا رأينا من ينهل من النهر ويستأثر بخيراته ويعيش منغلقا فى أجمل جزيرة به، غير آبه بما يجره انغلاقه عن غيره من مضار، وغير مقدر لعواقب قدرها الله على كل من يستأثر بنعمته دون غيره من الناس.

          لم نألف نحن المصريون صورة النهر مليئًا بالجزر، ونفرح دائمًا عندما يغطي الماء الجزيرة فيطمسها بخيراته وبركاته. ونفرح دائمًا لصورة المصري الفقير يشاطر أخيه المصري لقمته، ونحزن كل الحزن إذا أجبرته ظروف العيش على أن يضن على أخيه أو ينزع عن فمه لقمة كانت لهما سويًّا. كما نحزن كثيرًا إذا رأينا مصريًا أفاء الله عليه من نعمه فجحدها ومنعها عن إخوته. وينفطر القلب إذا رأينا من ينهل من النهر ويستأثر بخيراته ويعيش منغلقًا في أجمل جزيرة به، غير آبه بما يجرّهُ انغلاقه عن غيره من مضار، وغير مُقدِّر لعواقب قدّرها الله على كل من يستأثر بنعمته دون غيره من الناس.

          متى يعود طمي النيل الرائق ليجدد الأرض وينقيها؟ يعود ليبدل تلك العوازل الأسمنتية التي تفصل بين الأجساد والنفوس بطبقات من الطمي تقوّي ولا تفصل، تذوب فيها الفوارق المادية وتحفظ بها مراتب الاحترام والتقدير. متى تعود ثقافتنا الطميّة؟ تعود بطميها الطبيعي الذي خلقه الله فتطمس معالم الجزر، وتمد قنوات الاتصال، وتغمر الجميع بالخير، يأخذ الفقير نصيبه المقدّر له فيرضى، ويأخذ الغني نصيبه المقدّر له لينعم ويغدق. فلا ينقم فقير، ولا يتجبر غني. متى تعود ثقافة الجسور؟ تعود لتوحد نظم المؤسسات، وتعيد صواب العائلة والجماعة، وتحفظ للفرد توازنه وعقله. هل حقًّا سيعود عهد النيل السعيد؟ أهذا أمل لعقل يحلم، أم حلم لمواطن يهذي؟

  نشرت في دنيا الوطن في 15-10-2010

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2007/10/15/107225.html

  

ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم د. رضا علي حسن

ربما تبدو الطريقة التي كتب بها صنع الله إبراهيم رواياته صعبة الفهم، خاصةً عند قراءة الصفحات الأولى من هذه الروايات، لكنها تسرقك فجأة من عالم...