الصورة دائما مختلفة لدينا نحنُ المصريين، فعندما نريدُ الإصلاح نتكلم عن الجودة، وعندما نريد الجودة نسميها الرقيّ! وأصل الشيء أن نسميه باسمه، ويكون هذا الاسم معبِّرًا عن معنى، له مدلول نفهمه حتى نستطيع التعامل به ومعه. وكذلك تكون جودة التعليم عندنا في مصر، وهو مصطلح جديد شاع حديثًا في الأوساط التعليمية منذ عدة أعوام قليلة. فهل قصد مبتدع هذا المصطلح أن التعليم عندنا في خير وسلام، والهدف هو الارتفاع به قليلًا كي يكون جيدًا؟ أم قصد به أن الهدف هو جودة التعليم، أي أن التعليم لدينا لم يكن جيدًا من قبل، والهدف هو تطويره كي يكون جيدًا؟ أم أن - المبدع الملهم - لا يعرف معنى التسمية، ولا يعرف لها هدفًا محددًا، ولا يعرف معنى التعليم، ولا يعرف الهدف منه؟ وأغلب الظن أنه يجهل أيضًا أن التعليم لدينا ليس جيدًا، وأنه دائمًا يؤكد أن التعليم بصحة لا بأس بها. وإن كل المطلوب أن تكون الصورة حلوة براقة، تلفت الأنظار إلى حلاوتها من شدة لمعانها، فنصفق مبهورين بها، ونهدأ بالًا، ويكون كل شيء على ما يرام لأن الصورة تنطق بذلك من فرط حلاوتها. والصورة دائمًا مختلفة لدينا، نريدها براقة زاهية، نتجمل بها ونتغزل فيها ونعبدها، ونكرهها صورة معبِّرة، واصفة، كاشفة، أو صادمة.
إن مصطلح "جودة التعليم" هو مصطلح غير دقيق، لا يعبِّر عن واقع التعليم المؤلم، ويعكس في طيّات كلماته عدم دراية بهذا الواقع، لأن الكلمات ببساطة لا تعبِّر عن مشكلة التعليم في مصر، ولا تعترف بها، بل تتهرّب منها وتواريها. ومشكلة التعليم في مصر واضحة للتلميذ قبل المعلّم، وللجاهل قبل الجهبذ. فكيف تكون غائبة عن واضع التعبير؟ وأغلب الظن أن المشكلة واضحة أمامه، ولكنه إما لا يعرف لها حلًّا، أو لا يدري بها أصلًا. فيكون الحل باختياره لكلمتين رنّانتين لهما إيقاع جميل على الأذن، وليس لهما مفهوم واضح محدّد، فيُخفي هذا التعبير مشاكل التعليم، ويبتعد عن تفاصيله المريرة، وتكون الصورة براقة، ويكتفي بالصورة البراقة حلًّا، ويبقى الحال كما هو عليه، أو يزداد سوءًا، فالصورة البراقة هي الهدف، وهي الحل لكل مشاكل التعليم. ويأتي بعد ذلك كله تفاخر بنجاح وهمي، وأحاديث عن قدرات وهمية لأصحابها، وتباهٍ بإمكانات ورقية ليس لها صلة بالواقع، وأموال طائلة يتم تبديدها في طلاء الصورة بألوان زاهية تحافظ على لمعانها متجددة كل يوم.
مشاكل التعليم معروفة لدينا، ولن أطيل في وصفها. وتتلخّص هذه المشاكل أولًا في إدارة التعليم واختيار القائمين عليه، وتحديد أهدافه القومية التي تعود على الأمة بالنفع، فضلًا عن أهدافه الفردية التي تعود بالنفع على شخص المتعلّم. والهدف الثاني جزء لا ينفصل عن الهدف الأول، فرُقيّ الفرد ورفع مستواه التعليمي، وبالتالي مستواه الاقتصادي، هو السبيل لتحقيق الهدف القومي الأول، بل هو جزء من غايته. ثم تأتي بعد ذلك مشاكل ثانوية، مثل كثرة أعداد الطلاب، ومحدودية الأماكن والإمكانيات التي تستوعب هذه الكثرة. باختصار، كانت هذه هي مشكلات التعليم في مصر، وهي مشكلات غاب عنها الحل حتى تفاقمت وتعقّدت، فرسب التعليم وازداد فشله، ورسب معه القائمون عليه من مخطّطين، ومنفّذين، ومدرّسين، وطلاب. وكانت النهاية الصادمة هي رسوب المجتمع أيضًا، فساءت الأخلاق، وساد التسلّق والتملّق. وأصبحت كلمة "التعليم" فارغة المعنى والمدلول، وتحوّلت إلى صورة يحاول القائمون على أمرها تجميلها وتزويقها بمبانٍ تعليمية أنيقة، وأجهزة تكنولوجية ليست للاستخدام، وشجيرات وورود، ولوحات ورقية زاهية الألوان، وملايين الجنيهات تُصرف هباءً منثورًا من أجل زيارات تُفتتح بها أبنية تعليمية جديدة، أو زيارات مفاجئة يراقبون بها العاملين في هذه الأبنية. والنهاية، لا شيء. صورة نزيّنها لنزيفها، وننفق عليها كثيرًا لنواري بها عجزنا عن الإصلاح الحقيقي للتعليم، بينما الواقع يدل على شيء آخر نعرفه جميعًا، وهو ازدياد الفشل في التعليم، وفي كل شيء آخر يتبعه في مؤسسات الدولة كافة.
يتبيّن لنا من ذلك العرض المبسّط لمشكلات التعليم في مصر أن "الجودة" كلمة وهمية يُراد بها تجميل، أو قل تزييف، واقع فاسد ومفسد، وأن الكلمة التي ينبغي علينا استخدامها هي "إصلاح التعليم" أو "إحياؤه من جديد". وإصلاح التعليم ممكن، ولكن لا بد له من عدة شروط. أول هذه الشروط أن ينبذ القائمون على التعليم الصورة الزائفة لجودة التعليم التي رسموها لأنفسهم، وأن يتعلّموا هم من أهل العلم الحقيقيين كيف يكون الإصلاح، ثم كيف تتحقّق الجودة بعد الإصلاح. والشرط الثاني أن يتفهّموا أننا لسنا بحاجة إلى خطط إصلاحية مستوردة من الغرب، تتناسب مع ثقافة الغرب ومع مشكلات التعليم لديهم. نحن بحاجة إلى عقل مصري يخطّط، وخبرة مصرية تنفّذ، ولا بد أن يكون أهل العقل والخبرة من المثقفين والتربويين من منتجي الفكر والثقافة، وليس من التكنوقراطيين الذين يتعاملون مع المتعلّم بمفهوم المنتج النهائي، مثله مثل علبة طعام أو آلة كهربائية! ويخالف مفهوم المنتج النهائي طبيعة تربية الإنسان وتعليمه، فهدف التعليم هو تربية الفرد للرقيّ بخلقه، ثم علمه، من أجل حماية المجتمع وضمان استقراره، حتى لا يكون هناك متعلّم بلا خلق، أو فرد له خلق ينقصه العلم وتنقصه الخبرة، أو من ليس له علم ولا خلق. وهذه الأمثلة الثلاثة هي السائدة الحاكمة، نراها في كل موقع، وفوق كل كرسي في مؤسساتنا، وهي التي أدّت إلى الفساد، عن قصد أو عن غير قصد
نظام "جودة التعليم" أو "ضمان الجودة (Quality Assurance) "من الغرب، ولم نفهمه في سياقه، كما لم نفهم أسبابه وأسباب تطبيقه عندهم. جاء هذا النظام ليقدم الحل لمشكلة كبيرة كانت تؤرق القائمين على التعليم، وهي عدم توحّد الأنظمة التعليمية في الجامعات والمدارس، فمنها الخاص، ومنها ما تدعمه حكومة الولاية، ومنها ما تدعمه الحكومة الفيدرالية. وأدى هذا التفاوت إلى اختلاف بعض الإمكانات التعليمية من مكان إلى آخر، وفقًا للطبيعة الجغرافية أو الطبيعة المتعلقة بالسياسات التعليمية المختلفة من ولاية إلى أخرى. فكان الحل هو تبنّي نظام ضمان الجودة، حتى تتساوى كل الإمكانات التعليمية في جميع الولايات الأمريكية، على اختلاف طرق تمويلها، وحتى تتساوى جميعها عند قياس جودة التعليم. ونرى دائمًا نتيجة هذا القياس على هيئة ترتيب الجامعات أو المدارس في قوائم معلنة كل عام، وهذا الترتيب يعكس دائمًا النشاط العلمي للمؤسسة من حيث الأبحاث والنشر ومدى المساهمة في رُقيّ العلم والمجتمع. ونفهم من هذا النظام أن جودة التعليم كانت قائمة، وكل ما هنالك هو ضمان توحيد أسبابها وعناصرها في جميع الولايات، بما فيها من نظم مختلفة، وذلك من أجل الوصول إلى نظام واحد يضمن استقرار الجودة واستمرارها والرقيّ بها، وفي النهاية قياسها بمعايير ثابتة عادلة معروفة لدى الجميع، وبالفعل حقق هذا النظام هدفه العادل.
ونظام ضمان الجودة في الغرب له أسس تاريخية قديمة بدأت منذ بداية الثورة الصناعية، فكان الشاغل الأول منذ بداية الإنتاج الآلي هو توافر آليات ثابتة تضمن معايير محددة للمنتج الصناعي، ولن تتحدد هذه المعايير إلا وفق معايير محددة للإدارة، والمنشآت، وساعات العمل، وأداء العمال وانضباطهم. وتبلورت هذه المعايير مع بداية الحرب العالمية الأولى واستمرت حتى الحرب العالمية الثانية لضبط إنتاجية العمال وزيادة الإنتاج الصناعي. وكانت معظم هذه المعايير للتحكم في الجودة (Quality Control) من أجل سرعة وكفاءة الإنتاج. والتحكم في الجودة هو نظام يراقب ويختبر عيوب المنتج الصناعي ويحدد أوجه القصور فيه، فضلًا عن تحديد المسؤول أو المتسبب في هذه العيوب. أما نظام ضمان الجودة، فهو نظام يحاول ضمان الجودة عن طريق تحسين الإنتاج ورفع كفاءته واستقراره عند حدٍّ مرضٍ، وتصب وآلياته في تجنّب أو تقليل العوامل التي تعوق الإنتاج. وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية ودُمّرت العديد من البلاد، ومنها اليابان، قام الجنرال (دوجلاس مكارثر) قائد القوات الأمريكية المحتلة لليابان بتكليف خبيرين أمريكيين بتطوير نظام حديث للجودة لتطبيقه في إعادة بناء اليابان، ونجح هذا النظام بالفعل في بناء اليابان الحديثة. وتطوّر هذا النظام ليشمل عشرة أنشطة صناعية وتجارية وتنفيذية، مثل أنشطة التصميم، والخدمات الإدارية والبنكية، وآخرها التعليم. ويُستفاد من هذه النبذة التاريخية أن أنظمة التحكم في الجودة وضمان الجودة هي أنظمة جاءت لتقدّم حلولًا لمشاكل معيّنة في بلدان لها طبيعتها الخاصة وتركيبتها المختلفة. فقاموا ببناء أنظمة تساعدهم على حل مشكلاتهم بما يتفق مع ثقافتهم وإمكاناتهم وأهدافهم الوطنية أو الاستعمارية.
هذا النظام هو نظام رائع، يتفق مع التعليم في الغرب، حيث تتوفر الجودة
بعناصرها وأسبابها لدى الجامعات والمدارس. وجاء هذا النظام ليضمن استقرار التعليم
الجيد في الأصل، وذلك عن طريق توحيد شروط قياسية عامة عادلة تنطبق على كل الدور
التعليمية. نحن الآن نتبنى نظامًا أمريكيًّا وضعه الأمريكيون لحل مشكلة تعليمية
لديهم. هذا النظام افترض جودة التعليم أساسًا له، وكان هدفه توحيد معايير ثابتة
تضمن استقرار التعليم ورُقيّه في أمريكا. ونحن الآن نريد تطبيق معايير الجودة
الأمريكية على التعليم المصري، ومثلنا في ذلك كمثل من يرتدي بذلة غالية الثمن،
غاية في الأناقة، يذهب بها مزهوًّا ليحرث أرضًا بورًا في صحراء. ليس المهم هو زرع
الصحراء، ولكن الأهم أن تلتقط الكاميرات صورًا ملوّنة لصاحبنا الأنيق هذا وهو في
طريقه للذهاب، وهو يغرس نبتة واحدة من أجل صورة تُنشر في الصحيفة، ولا يصوّر لنا
المصوّر كيف ماتت النبتة من أشعة الشمس الحارقة قبل أن يصل صاحبنا الأنيق بسيارته
المكيّفة إلى مكتبه في الوادي، ينفض عن نفسه وسخ الصحراء.
نحن لدينا مشكلات تتطلّب إصلاحًا جذريًّا، تبدأ بعدم وجود مقعد أو مكتب يجلس عليه المدرّس في المدرسة أو الأستاذ في الجامعة، ومكتبة بها كتب يقرأ فيها المدرّس قبل الطالب، وفصلٍ جيّد التهوية يتّسع لمائة طالب أحيانًا، وصنبور ماء نقيّ في المدرسة والجامعة، ومرتبٍ يفي باحتياجات المدرّس أو الأستاذ الجامعي وأبنائه من الطلاب، كي يعيش عيشةً كريمةً بعيدةً عن مهانة الذلّ، وأخيرًا مناخٍ حرٍّ عادلٍ يسمح بإبداء الرأي أو التعبير. فكلّ من يُبدي رأيًا، أو يصف قصورًا، أو يشكو قسوةً، فهو كاذبٌ أو متآمرٌ أو مجنون.
نحن نفتقر إلى الهدف التعليمي القومي الذي يضمن لنا أمن المجتمع والفرد. فكل أهدافنا الآن ليست تعليمية، وتتلخّص في كيفية ملء مدرّجات الجامعات والمدارس الخاصة بالطلاب، ليزداد دخلها ويزداد دخل أصحابها، وفي كيفية خصخصة التعليم في الجامعات الحكومية أو غلقها، لكي يذهب الأساتذة قبل الطلاب إلى الجامعات الخاصة، لزيادة أعداد الطلاب بها وحلّ مشكلة قلّة أعضاء هيئة التدريس في هذه الجامعات. والأولى أن يطبّق القائمون على التعليم مبادئ الجودة على الجامعات الخاصة، فتكون شروط القبول في الجامعة الخاصة هي ذاتها الشروط التي يلتحق بها الطلاب في الجامعة الحكومية. هذه الشروط العادلة هي أساس معايير الجودة، وهي متحقّقة في أمريكا، مهد الجودة ومهبط وحيها.
هل نستطيع تقييم حجم الخطر على المجتمع عندما لا يستطيع طالبٌ الالتحاقَ بكلية من كليات القمة، مثل كلية الطب، من أجل فارق نصف درجة عن المجموع المطلوب، وفي الوقت نفسه يذهب الطالب الغبي، ابن أبيه الثري، إلى كلية الطب في الجامعة الخاصة بمجموعٍ يقلّ عن مجموع الطالب المتفوّق، ابن أبيه الفقير، بنسبة عشرين في المائة أو أكثر؟ ثم يتخرّج الطالب المتفوّق محطّمًا من كلية أخرى لم يكن يرغب بها، ويتخرّج الطالب الغبي جاهلًا، ولكنه مزهوٌّ بنفسه وبأموال أبيه، من كلية لم تؤهّله قدراته العقلية لها، ليخرّب في الوطن بجهله وحماقته. هذه أمثلة متكرّرة لأبناء الوطن أفسدها نظامٌ تعليميٌّ فارقٌ فاسدٌ، بعيدٌ كلّ البعد عن التربية والتعليم؛ طالبٌ نابهٌ قتل التعليمُ نباهته، وطالبٌ آخر زاد التعليمُ من جهله وغروره، بدلًا من أن يقومه ويثقّفه. ولا نستطيع التنبّؤ بما يمكن أن يحدث في مجتمعٍ غير متّزن، يكون فيه نظام التعليم الفاسد أساسًا لعدم اتزانه.
إن جودة التعليم، أو النظام المتّبع في تطوير التعليم في مصر – إن سمّيناه نظامًا – هو أداة لهزّ الثقة في المؤسسات التعليمية، في المدرّسين وفي أساتذة الجامعات، وفي قدرة التعليم الحكومي على إصلاح عيوبه، حتى يستقرّ لدى الرأي العام أن هذه المؤسسات هي مؤسسات فاشلة، فيتمّ خصخصتها. وهي نفس الخطة التي تتكرّر كلّ يوم عند بيع مصنع أو شركة منتجة. فتكون الصورة هي الجودة، والهدف هو الخصخصة والتجارة بالعلم والعلماء.
إصلاح التعليم هو الهدف الأول إن خلصت النوايا، والسبيل إلى ذلك معروف ومضمون – ولن أكون مبالغًا إذا قلت إن إصلاح التعليم ممكن، بل سهل. يمكن أن يتحقّق الإصلاح في غضون سنوات قليلة، بمالٍ مصريٍّ قليل، وبخبرةٍ مصريةٍ خالصة، فلدينا المفكّرون والمثقّفون والخبراء الصادقون الواثقون، وهم على علمٍ تامٍّ بما ينبغي أن يفعلوه ليحقّقوا الإصلاح، ثم الجودة وضماناتها. وهم على وعيٍ تامٍّ بدور التربية في استعادة القيم، ودور العدالة أساسًا للتربية، تربية الطالب والمجتمع. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن هؤلاء مفكّرون مثقّفون وخبراء مخلصون، يحبّون العلم والعمل، ويجيدون التخطيط العلمي والتنفيذي، ويكرهون عدسات التصوير، وضجيج التصفيق والتهليل. من يأتي بهم ومتى؟! سؤال له إجابة: إنهم قادمون لا محالة.
